شكل بناء جهاز حكومي كفؤ وقادر على خدمة المواطن منذ الاستقلال، إحدى الركائز الأساسية لمسيرة الدولة الحديثة، حيث شهدت الإدارة العامة تحولات نقلتها من نموذج الإدارة التقليدية إلى منظومة مؤسسية حديثة تقوم على التخطيط والحوكمة والكفاءة والتحول الرقمي.
وفي ظل مسيرة التحديث، يبرز تطوير القطاع العام بوصفه أحد أهم محاور الإصلاح الوطني، بما يعكس رؤية الدولة في ترسيخ إدارة مرنة وعصرية تضع المواطن في قلب أولوياتها وتعزز قدرة المؤسسات الحكومية على مواكبة التحديات وصناعة المستقبل.
وقال رئيس هيئة الخدمة والإدارة العامة المهندس فايز النهار، لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، شهد الجهاز الحكومي في الأردن تطورا تدريجيا منذ الاستقلال، حيث انتقل من الإدارة التقليدية القائمة على تسيير الأعمال إلى إدارة حكومية حديثة ترتكز على التخطيط والكفاءة والحوكمة والنتائج وتفعيل مبدأ "حكومة محورها المواطن"، بالإضافة إلى توظيف وتسخير التكنولوجيا في تنفيذ مهامه وتقديم خدماته.
وكانت البداية مع تأسيس ديوان الموظفين عام 1946 بهدف تنظيم شؤون الوظيفة العامة ووضع الأسس الناظمة للتعيين والترقية وإدارة شؤون الموظفين في القطاع العام، مبينا أنه مع تطور الدولة الأردنية، شهدت الإدارة العامة محطات إصلاحية متعددة، خاصة في نهاية تسعينيات القرن الماضي، مع إدخال مفاهيم الإدارة الحديثة والتخطيط الاستراتيجي والتحول من إدارة شؤون الموظفين إلى إدارة الموارد البشرية.
ومع دخول الدولة لمئويتها الثانية،
أوضح النهار أن المشروع الوطني للتحديث الشامل للأعوام (2022–2033) شكل نقطة تحول
رئيسية، حيث انطلقت منظومة التحديث السياسي ورؤية التحديث الاقتصادي وخارطة تحديث
القطاع العام، التي تمت ترجمتها إلى برامج تنفيذية مدعومة بمنظومة متابعة وتقييم
مؤسسية شملت تفعيل وحدة الإنجاز الحكومي ووحدة إدارة وتنفيذ برنامج تحديث القطاع
العام.
ولفت إلى أن هذه المرحلة ركزت على تطوير التشريعات والتحول الرقمي وتحسين جودة الخدمات الحكومية وربط الأداء المؤسسي بالأولويات الوطنية، بالإضافة إلى بناء جهاز حكومي أكثر مرونة وكفاءة وقدرة على الاستجابة للتحديات المستقبلية، مبينا أن إنشاء هيئة الخدمة والإدارة العامة شكل أبرز مخرجات خارطة طريق تحديث القطاع العام، حيث شكلت الحاضنة المؤسسية الرئيسية في تنفيذ العديد من برامجها ومبادراتها.
وحول مساهمة ديوان الخدمة المدنية سابقا وهيئة الخدمة والإدارة العامة حاليا في رحلة تحديث القطاع العام وإدارته، أكد النهار أن ديوان الخدمة المدنية ساهم على مدى عقود في ترسيخ مبادئ العدالة وتكافؤ الفرص وتنظيم إجراءات التعيين والترقية وإدارة الموارد البشرية في القطاع العام، وكان المرجعية الأساسية للوظيفة العامة في الأردن، ومع تطور متطلبات الإدارة الحديثة، جاء تأسيس هيئة الخدمة والإدارة العامة بموجب نظام الهيئة لسنة 2023 ليعكس انتقال الدولة إلى مرحلة أكثر شمولية في تحديث الإدارة العامة.
وأوضح أن مهام الهيئة توسعت لتشمل إعداد السياسات والاستراتيجيات والمعايير المتعلقة بالموارد البشرية والقيادات الحكومية والهياكل التنظيمية والثقافة المؤسسية والخدمات الحكومية والتخطيط الاستراتيجي وإدارة الأداء المؤسسي، إضافة إلى ممارسة دور الرقابة والامتثال ومتابعة تطبيق التشريعات والسياسات ورفع التقارير الدورية لرئيس الوزراء.
كما تقدم الهيئة الدعم الفني والاستشاري للدوائر الحكومية وتقود تنفيذ البرامج المرتبطة بخارطة تحديث القطاع العام، بما يضمن توحيد النهج الوطني في إعداد السياسات والتشريعات وربطها بالأولويات الوطنية.
وعن أبرز ملامح الجهاز الإداري الحالي، وتقييم مستوى الكفاءة والفعالية في المؤسسات الحكومية، بين النهار أن الجهاز الإداري الحالي يتسم بالتوجه نحو الإدارة الحديثة القائمة على الكفاءة والنتائج والتحول الرقمي، حيث جرى تحديث التشريعات الناظمة للموارد البشرية واعتماد أنظمة حديثة لإدارة الأداء والتخطيط الاستراتيجي والرقابة والامتثال.
كما أصبح التركيز أكبر على بناء القدرات وقياس الأداء المؤسسي وتحسين جودة الخدمات الحكومية وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الحوكمة والشفافية.
وأشار النهار إلى أن من أبرز ملامح التطوير الحالية الانتقال إلى ترسيخ مبدأ التنافس المفتوح والعادل في إشغال وظائف القطاع العام من خلال الانتقال التدريجي من نظام "الدور والترتيب" إلى "الإعلان المفتوح" في التوظيف، بحيث أصبحت الوظائف الحكومية تطرح عبر إعلانات تنافسية مفتوحة تتيح الفرصة لجميع الكفاءات الأردنية للتنافس وفق معايير واضحة وشفافة، تعتمد على الاختبارات التنافسية التي تقيس الكفايات الفنية والسلوكية والقدرات العامة، اضافة للمقابلات المبنية على الكفايات.
كما تم اعتماد الكفايات الوظيفية أساسا في إدارة الموارد البشرية وربطها بالتعيين والترقية والتطوير المهني، وقد تم إنشاء مركز متخصص بتقييم الكفايات في عيد استقلال المملكة التاسع والسبعين وفقا لأفضل المواصفات والمعايير، إذ وفر ذلك طيفا واسعا من أدوات التقييم الحديثة لضمان موضوعية التقييم واختيار الأكفأ.
ولفت إلى أنه يمكن القول بأن مستوى الكفاءة والفعالية في المؤسسات الحكومية شهد تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع إدخال أنظمة تقييم الأداء وربط الحوافز بالإنجاز، إلا أن عملية التطوير ما تزال مستمرة لتعزيز الثقافة المؤسسية وتسريع التحول الرقمي ورفع جاهزية الكوادر الحكومية.
وحول تطوير هيئة الخدمة من خلال التشريعات والبرامج الموارد البشرية من ناحية التدريب والتقييم والحوافز، بين النهار أن هيئة الخدمة والإدارة العامة أحدثت تحولا نوعيا في إدارة الموارد البشرية من خلال نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام رقم (33) لسنة 2024، الذي نقل القطاع العام من مفهوم "إدارة الأفراد" التقليدية إلى "إدارة المواهب والنتائج".
ففي محور التدريب والتطوير، أصبح التدريب جزءا أساسيا من المسار الوظيفي ومتطلبا للترقية والانتقال بين المستويات الوظيفية، حيث ألزمت التشريعات الدوائر الحكومية بإعداد خطط تدريبية سنوية تستند إلى الفجوات في الكفايات التي تظهرها نتائج تقييم الأداء، كما تم تطوير أطر الكفايات لكافة الوظائف في القطاع العام والتي تحدد المعارف والمهارات والاتجاهات التي تشكل الأساس في تطوير البرامج التدريبية ومسارات التطور الوظيفي والمهني.
وفي مجال تقييم الأداء، اعتمدت الهيئة نظاما حديثا يقوم على قياس الكفايات الوظيفية وربط الأداء بالمؤشرات والنتائج الفعلية، وتم تطوير قواميس للكفايات الوظيفية تشمل الكفايات القيادية والإشرافية والفنية، بحيث أصبح التعيين أو الترقية مرتبطا بإثبات الجدارة واجتياز اختبارات تقيس امتلاك الموظف لهذه الكفايات.
كما تم تبني مفهوم "ربط الأداء الفردي بالأداء المؤسسي" في تقييم الأداء، بما يضمن التمييز بين الموظفين المتميزين ومن يحتاجون إلى تطوير، وأصبح التقييم يعتمد على اتفاقيات أداء ومؤشرات قياس واضحة، مع مراجعات دورية نصف سنوية وتغذية راجعة مستمرة لتحسين الأداء المؤسسي والفردي.
أما في مجال الحوافز والمكافآت، أشار النهار إلى إدخال النظام مفهوما متقدما لتحفيز الأداء الاستثنائي، بهدف تشجيع الموظفين على تحقيق إنجازات تتجاوز متطلبات الوظيفة التقليدية، وتحسين جودة الخدمات الحكومية، حيث ربطت التشريعات الجديدة للحوافز بنتائج تقييم الأداء والإنجاز الفعلي، مع إمكانية منح حوافز ومكافآت مادية أو معنوية أو كليهما.
كما أتاح النظام مسارات أسرع لترقية الموظفين ذوي الأداء المتميز، بما يعزز ثقافة التميز والإبداع ويكرس مبدأ الجدارة والكفاءة في القطاع العام.
وأكد النهار أن الهيئة تواصل العمل ضمن البرنامج التنفيذي الثاني (2026–2029) على بناء منظومة تشريعية وتنظيمية وأدوات حديثة وذكية تُدار رقميا، بما يدعم دورها في التنظيم والرقابة والامتثال الذكي ويرفع كفاءة الأداء الحكومي ويعزز الثقة بفاعلية الإدارة العامة.
بترا



