Advertisement

بقلم الإعلامي والشاعر: علي الستراوي/ أخبار الخليج/البحرين


لم تكن صدفة تعلقي بهذه القامة الإنسانية، ولم يكن في الحسبان أن اجري في يوم ما حوارا معها، لكنني اجريت هذا الحوار، وكان بشهادة من قرأ الحوار: انه حوار ممتع وعميق في دلالاته اللغوية والانسانية والأدبية.
وبعد حواري السالف الذكر مع الأديبة الدكتورة سناء الشعلان، كانت الرسالة الأولى التي حفظتها مرتبطة بأول الشرارات التي قادتني نحو حب قراءة ادبها المتمثل في الرواية وفي القصص القصيرة، وفي نهجها الفكري العميق.
فمن يقترب من عالم سناء الإنساني والأدبي، تقف عجلاته من دون تحرك في حضرتها.
لأنها في العلو من الإنسانية، وفي العلو من الرسائل الأدبية التي تتواصل سناء الإبحار في عمقها يؤكد اي دور تقوم به هذه المرأة المعطاء، في زمن قلت فيه الأيادي البيضاء.
وكل جديد يصلني من هذه الأديبة يفرحني ويشدني نحو قراءته بنهم وشغف قد احسد عليه، لكنه شغف لا ينقطع حتى يبدأ من جديد.
في غمرة هذه السنوات التي جمعتني بسناء، كان لها نبع حنون في ظل ثقافة بصيرة، كثيرًا ما اسندت ظهري عليها لاستريح من تعب العمل الصحفي اليومي أو من واقع العمل الحياتي الذي لا ينفك عن جر جسدي نحو ماكينة الحياة في توفير لقمة العيش.
ومع ادب سناء تكون الذاكرة في مساحاتها خضراء، تشدُ من يرتخي عليها نحو حلم لا ينقطع ولا تنفصل حلقاته عن ذاكرة الاحتواء الجميل.
ففي عمر هذه الأديبة الشعلان الكثير من المحطات الفكرية والأدبية التي تكوَن في عطائها رسالات امرأة تعلقت بواقع الإنسان، فدخلت معه في معالم الكتابة التي تعطي ولاتسأل أن تُعطى، لأنّها ناكرة لذاتها، ترى النجوم في علو سماوات مضيئة، فتفرح.
وفي ظل تواصلها مع فن الكتابة القصصية التي سكنت في بيت إنجازاتها إلى ما يربو 14 مجموعة قصصية، وصلتني منها مجموعتها الأخيرة المسماة «الذي سرق نجمة» وهي مجموعتها الأخيرة الصادرة عن دار امواج للنشر والتوزيع – عمان – الأردن، الحاملة في طيات الكتاب أربع عشرة قصّة قصيرة.
التجربة القصصية اسناء الشعلان، تجربة تعددت عتباتها، نالت الكثير من الإشادة والجوائز القيمة، عن الدور الأدبي والفكري في تجربة الشعلان.
محطات اعطت للشعلان وسام شرف عاليا من الدرجة الإنسانية والأدبية الرصينة، حيث عدت تجربة الشعلان تجربة ناضجة في مسيرتها الثقافية.
ومن الشواهد في تجربة الشعلان تمسكها بالمتن اللغوي، في ظل تناولها «الأنا الصغرى، عبر أنا كبرى» اي لبدء من الذات نحو العام، من دون أن تغفل سناء ذلك الجدار المحرك لعوالم بنائها الفني في تمسكها برؤية جل عطاؤه هم شريحة البشر وما يريده الآخرون في ظل قانون حياتي ارتبط بالأرض وما عليها من مخلوقات.
ففي قصة «الذي سرق نجمة» ص «9» تفجر القاصة حلم «الإسكافي» بطل القصة الذي كانت كل افعاله صادقة حيال حبه لزوجته، ذلك الحب الذي يغير كل محطات حياته، الا شيئا واحدا هو حبه لزوجته، فكل عيب فيها يراه جمالا، وترى الزوجة متفقة معه لأنها تعامله بنفس مايرى زوجها فيها من جمال لا يوصف.
وكل هذا عكس فيها اي زوجة الإسكافي انه كاذب لكن كذبه لزوجته صدقًا، لايعرف ان يداريه.
وفي الكذب تنوع الاسكافي حتى وصل بحبه الى أن يشهر به ويعلن: انه سرق نجمة، ما اعتبر خيانة وطنية، ولم تكن هذه النجمة الا وفاء لحبه لزوجته، ولم يذكر ان عاقبة الكذب تذهب به نحو القاص.
هذا البعد الجميل في محاكاة الحلم، هو بعد نادر التعامل معه من قبل كتاب القصة القصيرة، لكن الشعلان عرفت كيف تحيك من الحلم رسالة تمثّلت في بناء الأفكار ولذهابها نحو احتضان القيم المستخلصة من واقع الإنسان في تجلي إنسانيته المتقلبة بين الشر والخير.
وهذا البعد يقودنا في الوقوف على اكثر من قصة حملتها المجموعة «الذي سرق نجمة».
مستفيدة الشعلان من الإرث الفكري للأدب العربي، عبر دمج ما للحلم من واقع قد يكون تقليديا، لكنه لا يقف على قيمة واحدة، بل يتعداها.
فمزاوجة الشعلان بين التراث التقليدي وبين المعاصرة يعد حداثة ان جاز لي وصفها.
عبر معطيات تجريبية قد ساعدت القصة الشعلان في نسج حلم ابطال قصصها.
فهي في ظل محاكات وجوه القصصية، تقف على عدة مفاهيم تربوية، مرة مع الحق وأخرى مع الزيف والباطل والبحث عن الحرية والتطرف والحب والأخلاص والتفاني في والخيانة والوطنية.
هذه الافكار هي التي ركزت عليها الشعلان في مجموعتها، رسالة قصصية عرفت الشعلان كيف تشعل فيها ثقاب ضوئها وتحمل اريج رائحة الدخان لكل من يقرأها.
ففي المواجهة التي صاغت بها الشعلان قصص المجموعة، نرى بروز ذلك القبس النشط والحيوي في محاكات الآخرين، عبر دلالات فنية عرفت الشعلان توظيفها في اكثر من قصة قصيرة، عبر التطواف في عوالم عدة قد تكون متشظية لكنها في تشظيها، تترك لنا الشعلان ذلك الفارس الذي لايموت، بل يتجاسر ويخلق المعادلة في بناء الحب والإيمان بالعطاء من دون مقابل.
وهذا يندرج فيما حوته المجموعة وبالأخص في قصة «منامات السّهاد» ص «15» والصراع الدائر بين فعلين حاكم ومحكوم، وبين ظلمة متشبثة وبين نور يجادل ما للظلمة من واقع مخيف.
ومع الكتاب ومفاتيح سره المغلقة تقف بنا القاصة في قصّة «جريمة كتابة» ص «69» قصة تبرز فيها القاصة ذلك الحوار المدفون بالمغامرة، كونها اي بطلة القصة: ليس لها سابقة في عالم الكتابة، ولكنها عاشت الكتابة، ولو بظل معوج لا يحمي البشرة ولا يسند عود القصب.
هذا التكنيك الفني المبتكر لدى الأديبة سناء الشعلان، يبرز لنا صورة حية في اذهاننا.
وكلما مر الوقت وانشغلنا بمعطيات هذه الصورة، نتمسك بمجداف البحر العميق لنقول: إننا امام تيار معاكس، لكنه حنون، يبحر في الصعب ويغامر في غير المألوف.
هكذا قرأت تجربة سناء الشعلان في اكثر من محطة ابداعية تقدمت بها وكان القارئ رهين محبسيها.
نعم إن في جدار الشعلان كما اسلفت، جدار آخر يسند الجدار الأول ويأخذنا نحو جدل معرفي فلسفي، يرسم لنا أو يقدم اكثر من مشهد.
وقد لايتقبله العقل، لكن للعقل حرية تركتها سناء للقاريء، يرى ما يحب ويختلف مع من لايحب.
جدار استند عليه لأحيي الأديبة الدكتورة سناء الشعلان على اصرارها نحو محاكات غير المألوف، وتركنا في غليان اللغة والسرد الفني.
عبر تجريب اراه موفقا في بعد تجربة الشعلان الادبية والبحثية، وهي من تستحق من نقف لها بالتحية، لأنّ الجدار إن لم ينكسر قد يميل، لكنه في جدار الشعلان لايعرف الخذلان.