Advertisement

المشاهد الغاضبة التي واجهت جولات الفرق الحكومية في المحافظات ليست جديدة، ربما حدة الغضب كانت أكثر، وملامح أوجاع الناس كانت أوضح، ولكن الرسائل الاحتجاجية لم تتوقف، قبل سنوات قليلة رفضت إحدى هذه المحافظات المحتجة استقبال رئيس وزراء آنذاك، فبعد أشهر قليلة سوف يكمل عمر غضب المحافظات الذي بدأ منذ العام 1989 ثلاثين عاما وطوال هذه السنوات لم تتوقف الاحتجاجات ومظاهر الغضب وفيما الرسائل لا تصل إلى عمان كانت الفجوة التنموية تزداد ومظاهر الاختلالات تذهب عميقا وتنعكس أكثر على تفاصيل حياة الناس.
هناك شبه إجماع على أن غضب المحافظات في وجه الفرق الحكومية ليس مرده قانون الضريبة لأن معظم الغاضبين غير خاضعين للضريبة ولن يكونوا مطالبين لا في القانون الجديد ولا في غيره، بل إن غضبهم يعود لسوء الأحوال الاقتصادية المتراكم منذ سنوات طويلة، ويحق للحكومة أن تبرئ ذمتها من هذه الناحية، ولكن في الحقيقة أن هذا التفسير مخجل ويحمل إدانة وطنية طويلة ومريرة؛ فكل حكومة تُحمل ما قبلها مسؤولية الأوضاع الاقتصادية والفساد وفشل التنمية، وهذا حقيقة جوهر المأزق الذي على حكومة الدكتور عمر الرزاز مواجهته بمزيد من الوضوح والمسؤولية الوطنية وبالمزيد من الوضوح الأخلاقي أيضا.
من المؤسف أن نطلب من صندوق النقد الدولي أن يصغي لرفض أبناء المحافظات الأردنية لقانون الضريبة وأن يقرأ جيدا الرسائل القادمة من هناك، فيما لم نصغ نحن لهذه الرسائل، وكل حكومة تأتي تحمل ما قبلها، لم يعد هذا الأسلوب مجديا حتى في الحسابات الوطنية التقليدية، فلقد مر زمن طويل ونحن نمارس تمرير رسائل الداخل إلى الخارج دون أن نحاول تقديم قراءة متأنية لهذه الرسائل.
لا ينكر أي متابع لشؤون التنمية في الأردن بأن قضية تنمية المحافظات قد احتلت مكانة مركزية في عمل الحكومات خلال آخر عشر سنوات، وأن ثمة مخصصات رصدت أحيانا في بعض القطاعات، ولكن لماذا لم نلاحظ فروقا حقيقية على الأرض، ولماذا ظلت مؤشرات رداءة الحياة تتصاعد، ولماذا نمت بؤر توتر ومظاهر اختلالات أخذت طابعا اجتماعيا وأحيانا سياسيا؟
إن الرؤية التي تعاملت بها الحكومات مع قضية التنمية في المحافظات ما تزال سطحية ولم تدخل في العمق، ولم يصل إلى واضعيها، أولا: أن المحافظات تحتاج إلى تحول اجتماعي اقتصادي متوازن وليس مجرد منافع اقتصادية، وهنا مربط الفرس في إغفال أهمية التحول الاجتماعي. ثانيا: يقرأ ضعف أثر الجهود الحكومية في المحافظات في إغفالها أن ما يبني التنمية في المحافظات هو بناء قاعدة إنتاجية محلية وليس مشاريع وهمية أو فرص عمل رخيصة لعمال لا يعملون ولا ينتجون. ثالثا: عشوائية البنى التحتية، فهناك جهود لا تنكر في توفير بنى تحتية، وفي بعض المحافظات تجد على سبيل المثال بنى تحتية في مرافق التعليم والمدارس أكبر من الحاجة، ولكن في بلدة مجاورة يحتاج الأطفال للمسير أكثر من أربعة كيلومترات للوصول إلى المدرسة حيث لا يوجد مخططات شمولية جادة لتوزيع البنى التحتية تلبي حاجات التحول الاجتماعي وبناء قاعدة إنتاجية حقيقية في كل إقليم.
رابعا: إن الكثير من جهود التنمية التي بذلت خلال هذه المرحلة هي تنمية بالاسترضاء، سعت إلى تهدئة الخواطر هنا وهناك، وكانت تجيب عن سؤال ما يريده بعض الناس لا ما يحتاجه الناس بالفعل. خامسا: تعدد الجهات التي تعنى بتنمية المحافظات من وزارة البلديات إلى وزارة التخطيط إلى وزارة الداخلية إلى صندوق تنمية المحافظات والعديد من المؤسسات الأخرى التي لا يوجد بينها أي تكامل أو تنسيق، ولا أحد يقيس أثر ما تفعل هذه الجهات، فيما أصبحت أوضاع المحافظات مصدرا لجلب المنافع لقطاع يتنامى من مؤسسات القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني التي تحصل على امتيازات ومنافع دون أن تترك الحد الأدنى من الأثر المطلوب.
الرسائل القادمة من معان والطفيلة والمفرق وعجلون وغيرها تحتاج أن تُقرأ جيدا في عمان بذهنية الدولة القادرة والعادلة وليس بذهنية ردود الفعل الآنية والمربكة.

ــ العد