Advertisement
سامي عطاالله ودانيال غارّوتي سانتشيز ــ  على التوالي ــ
المدير التنفيذي للمركز اللبناني للدراسات، وباحث رئيسي في المركز :

لاقت انتخابات أيّار 2018 ترحيبًا كخطوةٍ باتّجاه تعزيز دور المرأة في السياسة الّلبنانيّة. ففي النتيجة، ترشّحت ست وثمانون امرأةً لعضويّة مجلس النوّاب مقارنةً باثنتي عشر فقط في العام 2009. ومن الملفت أنّ هؤلاء النساء لم يكنّ أصغر بثماني سنوات كمعدّل من المرشحين الذكور وحسب، ولكنّ مستواهنّ العلميّ كان أعلى أيضًا: فـ 90% منهنّ يحملن شهادات عليا، من قبيل الماجيستير أو الدكتوراه، مقارنةً بـ55% من المرشحين الذكور. وقد ترشحت أكثريّة النساء، أو 70 منهنّ، على الّلوائح غير الحزبيّة أو لوائح المجتمع المدني. وقد تردّدت الأحزاب السياسيّة بشكلٍ عام في زيادة عدد المرشحات ة أنختالإناث، إذ أنّ 9 فقط من أصل 86 مرشّحة قد كنّ على لوائح الأحزاب الستّة الأساسيّة: 3 مع تيّار المستقبل (بهيّة الحريري، ورلى الطبش، وريما جمالي)، و3 مع التيّار الوطني الحرّ (غاده عسّاف، وغريتا صعب، وكورين الأشقر)، و2 مع القوّات الّلبنانيّة (ستريدا طوق، وجيسيكا عزار)، وواحدة مع حركة أمل (عناية عزّ الدين). ولم تضم لوائح حزب الّله والحزب التقدّمي الاشتراكي أي مرشحة أنثى. ومن جهة أخرى، ضمّت لوائح كلنا وطني، وهي إحدى مجموعات المجتمع المدني، 19 امرأة، متخطيةً بذلك عدد المرشحات الإناث على لوائح الأحزاب السياسيّة الست الكبرى مجتمعةً.
 
وقد ترشحت النساء في جميع الدوائر الانتخابيّة. أمّا العدد الأعلى من المرشحات فقد سُجِّلَ في بيروت الثانية بـ19 مرشحة ضمن 8 لوائح متنافسة. وتلاها المتن بـ9 مرشحات ضمن 5 لوائح مختلفة، ثمّ طرابلس – المنية – الضنيّة بـ8 مرشحات ضمن 5 لوائح، فبيروت الأولى بـ7 مرشحات ضمن 4 لوائح، وعاليه-الشوف بـ7 مرشحات ضمن 3 لوائح. أمّا الدوائر الّتي سجّلت أدنى عدد من المرشحات الإناث فكانت الزهراني – صور، بامرأتين ترشحتا ضمن لائحتين، والبقاع الغربي – راشيا حيث ترشحت امرأة واحدة. وفي عكّار (دائرة الشمال الأولى) تنافست لائحة تضم امرأة واحدة ضد لوائح أخرى هيمن عليها الرجال.
 
وعلى الرغم من المبادرات المتعدّدة الهادفة إلى تعزيز ترشح النساء في الانتخابات، فهنّ لم يحقّقن نتائج جيّدة، إذ لم يحصدن سوى 6 مقاعد، مقارنةً بـ4 عام 2009. وتُعتبر المشاركة السياسيّة للمرأة التي تشغل 5% من المقاعد النيابيّة، أسواء بكثير منها في الدول العربيّة الأخرى حيث تشغل النساء كمعدل نحو 19% من المقاعد. ويُعدُّ لبنان من بين أسوأ 10% من البلدان في العالم لجهة المشاركة السياسيّة للمرأة.
 
ولم تحصّل المرشحات الإناث سوى 5% من الأصوات، غير أن نتائجهنّ لم تكن متساوية. ذلك أنّ النساء اللواتي ينتمين إلى أسرٍ سياسيّة، أو أولائك المرشّحات ضمن لوائح أحزاب سياسيّة قويّة، قد تمكنّ من حصد عددٍ أكبر بكثير من الأصوات. فبهيّة الحريري، على سبيل المثال، قد حازت على 20% من الأصوات في  الجنوب الأولى، في حين حصّلت عناية عز الدين 13% في الجنوب الثانية، كما حصلت كل من ستريدا طوق ورلى الطبش على نحو 7% في الشمال الثالثة وبيروت الثانية تباعًا. وبعبارةٍ أخرى، فإنّ المرأة التي تتمتّع بعلاقاتٍ سياسيّة، والمرشحة ضمن لوائح تابعة لأحزابٍ قويّة، قد حقّقت أداءً جيّدًا.
 
وإلى جانب المرشحات الإناث الـ5 الّلواتي كان لخلفيّتهن الأسريّة أو لعلاقاتهنّ السياسيّة دورًا أساسيًّا في وصولهنّ إلى البرلمان، فقد نظرنا أيضًا فيما إذا كان أداء المرشحات الإناث أفضل في بعض المناطق مقارنةً بمناطق أخرى. وبناءً على البيانات الانتخابيّة الّتي قدّمتها وزارة الداخليّة والبلديّات، والّتي تضمّنت الأصوات التفضيليّة لبعض المرشحين المحدّدين، بالإضافة إلى مذهب الناخبين المسجّلين وجنسهم في كلٍّ من مراكز الاقتراع، إلى جانب قاعدة البيانات الخاصة بالمركز الّلبناني للدراسات، والّتي تتضمّن العديد من المتغيّرات الاقتصاديّة والسياسيّة على الصعيد البلديّ، لاحظنا ما يلي: أوّلًا، حقّقت المرشحات الإناث أداءً أفضل بكثير في المناطق الحضريّة الّتي تسجّل معدّلاتٍ فقر أدنى، ويمكن أن يُعزى ذلك إلى ارتفاع مستوى الدخل والتحصيل العلمي الأعلى لدى الناخبين. ثانيًا، حصلت النساء أيضًا على حصّةٍ أكبر من الأصوات في الدوائر الّتي ارتفعت فيها درجة التنافس السياسي (الّذي تم قياسه على أساس عدد الّلوائح المتنافسة في كلّ دائرة انتخابيّة ومن خلال النسبة المئويّة للأصوات الّتي حصّلتها الّلائحة الفائزة). على سبيل المثال، حصلت المرشحات النساء على 8% من الأصوات في بيروت الثانية، و11% من الأصوات في زحلة – وقد تميّزت كلا الدائرتين بتنافسٍ شديد. لكنّ أداءهنّ في هاتين الدائرتين يختلف كلّ الاختلاف عنه في بعلبك - الهرمل أو مرجعيون – النبطية - حاصبيا - بنت جبيل، حيث حُزْنَ أقل من 1% من الأصوات. ثالثًا، سجّلت النساء أداءً أفضل في المناطق المختلطة طائفيًّا، مثل الأشرفيّة والرميل في بيروت (مع ما يقارب 9% من الأصوات) مقارنةً بالدوائر المتجانسة بالكامل، والّتي تنتشر أكثر في صور وعكّار، حيث حصلت المرشحات الإناث على 3% فقط من الأصوات. وبعبارةٍ أخرى، وجدت المرشحات الإناث أنفسهنّ في موقع غير مواتٍ في المناطق الريفيّة وفي المناطق الأقلّ تقدّمًا من الناحيتين الاقتصاديّة والاجتماعيّة، بمعنى أنّهنّ واجهن صعوبة في التنافس على قدم المساواة مع المرشحين الذكور ومعظمهم من النواب الحاليّين، في الدوائر الأقلّ تنافسيّةً، حيث تهيمن الأحزاب التقليديّة على السلطة. رابعًا، منح ناخبو الإنتشار صوتهم التفضيلي للمرشحات النساء أكثر من أقرانهم القاطنين في لبنان. خامسًا، لوحظ أنّ الناخبات الإناث قد فضّلن المرشّحات الإناث أكثر بقليل من الناخبين الذكور، رغم أنّ الفجوة لم تكن واسعة جدًّا (5.3% مقابل 4.5%).
 
أخيرًا، اختلف مستوى الدعم للمرشحات الإناث باختلاف طوائف الناخبين: ففي حين لم يصوّت أكثر من 4.5% من الدروز، والعلويّين، والموارنة، والشيعة للمرشحات الإناث، وصلت هذه النسبة إلى 9.7% لدى الأقليّات المسيحيّة، و8.2% لدى الروم الأرثوذكس. أمّا الناخبون السنّة فقد سجّلوا نسبةً وسطيّة بين القطبين إذ صوّت 6.4% للنساء.
 
في معظم الحالات، كان المواطنون الّذين أتيح لهم خيار التصويت لمرشّحة من طائفتهم أكثر ميلًا للقيام بذلك مقارنةً بمن لم يُتح لهم هذا الخيار، ما يشير إلى أنّ الانتماء الطائفيّ يغلب على التفضيلات الجنسانيّة. غير أنّ التصويت النمطي المتدنّي للمرشحات الإناث لدى الطائفة الشيعيّة يتخطّى الانتماءات الطائفيّة المحض، ويتّصل بالولاء للأحزاب الشيعيّة السياسيّة الأساسيّة. وبعبارةٍ أخرى، فحتّى عندما يُتاح للناخبين الشيعة أن يصوّتوا لمرشحةٍ شيعيّةٍ أنثى لا تنتمي إلى أمل أو حزب الّله، فهم غالبًا ما يختارون المرشح المنتمي إلى حزبٍ شيعيٍّ قويّ.
 
وفي المختصر، تواجه المرأة عقباتٍ هائلة تمنعها من دخول مجلس النوّاب. وبغية ضمان تمثيلها في الهيئة التشريعيّة، تدعو الحاجة بكلّ إلحاحٍ إلى إعادة إطلاق النقاش بشأن تمثيل المرأة في البرلمان، وفرض كوتا نسائيّة في القانون الانتخابي العتيد. وعلى الرغم من كثرة الحديث عن الكوتا النسائيّة، تتردّد النخب السياسيّة في تسهيل دخول المرأة إلى البرلمان. وقد ألقى البعض الّلوم على الناخبين، الّذين يفضّلون النساء على الرجال على حدّ زعمهم. وقد ذهب آخرون إلى أبعد من ذلك، بالقول إنّ عمل النوّاب في لبنان لا يلائم النساء، إذ يتعيّن على النائب أن يشارك في الواجبات الاجتماعيّة، من قبيل حضور الأعراس والمآتم، أو حلّ النزاعات في دائرته الانتخابيّة. لكنّ كلا هذين الزعمين سطحيان. فالنساء الّلواتي ترشّحن على لوائح الأحزاب السياسيّة، واللواتي حظين بدعمٍ كامل من الزعماء السياسيّين، قد سجّلن أداءً جيّدًا في الانتخابات. ويشير ذلك إلى أنّ الناخبين مستعدّون لانتخاب مرشّحاتٍ إناثٍ إن كنّ قد حصلن على بركة الزعيم. أمّا بالنسبة إلى الزعم القائل أنّ هذا العمل لا يلائم النساء، فقد آن الأوان لإدخال النساء إلى البرلمان حتّى تتاح لهنّ فرصة الاضطلاع بالمهام الوظيفية للنوّاب، والّتي تشمل التشريع والرقابة. فربما عندما تتمثّل المرأة بشكلٍ ملائمٍ في مجلس النوّاب ستتمكّن هيئتنا التشريعيّة الوطنيّة من الاضطلاع بدورها الدستوريّ، لتلبّي حاجات المواطنين على نحوٍ أفضل.
 


هذا المقال جزء من دراسةٍ أوسع نطاقًا يجريها المركز الّلبناني للدراسات حول الانتخابات النيابيّة للعام 2018 بالشراكة مع هيفوسHivos  وضمن إطار برنامج تمكين المرأة للقيادة.
ــ المركز اللبناني للدراسات