Advertisement

المحامي الدكتور اياد البطاينه - عضو مجلس نقابة المحامين الاردنيين

من نافلة القول بان أمان أي مجتمع يقوم على تطبيق سيادة حكم القانون وايقاع العقاب بحق كل من يرتكب فعل يعده القانون جريمة، والذي يكون القول الفصل فيه لقضائنا العادل الذي نفتخر ونعتز بنزاهته وكفاءته وإستقلاله. وفي إطار هذه المنظومة تخضع المحاكمة العادلة الى سلسلة من الإجراءات أمام القضاء يسبقها مرحلتي الإتهام والتحقيق. ويؤخذ على التنظيم القانوني الأردني بانه قد منح النيابة العامة سلطتي الإتهام والتحقيق ، فأصبحت النيابة العامة هي الخصم والحكم. على الرغم من أن من أهم المبادئ التي تقوم عليها عدالة الإجراءات الجنائية هو الفصل بين سلطة الأتهام وسلطة التحقيق. إذ تأبى العدالة أن تجمع جهة واحدة بين وظيفة الإتهام ووظيفة التحقيق، وذلك لإختلاف السمه والغاية بينهما؛ فالأولى غايتها حماية المجتمع من خلال تقصي الجرائم وجمع الأدلة وتوجيه أمر الإتهام وعقاب كل من ترى بانه قد اقترف جرما، والثانية يناط بها البحث عن الحقيقة المجردة بما ساقته سلطة الإتهام من أدلة لتكشف عن وجود الإتهام من عدمه حتى يصار بعدها الى رفع الأمر الى منصة القضاء للبت في الإدانة او البراءة. فتخويل النيابة العامة سلطة التحقيق الى جانب سلطة الإتهام يجعلها ذات مصلحة في إثبات التهمة، فمن قام بالتقصي وجمع الأدلة وتوجيه الإتهام يكون قد انتصب خصما للمتهم، فلا يسوغ له أن يكون حَكَما ليقرر بأمر الإتهام من عدمه. فضلا عن أن جمع سلطة الإتهام ووظيفة التحقيق وهما صفتان متناقضتان يعد جمعا للإضداد وينطوي على إنتهاك خطير للحريات الفردية التي كفلها الدستور وهو ما لا يحقق عدلاً ولا يحق حقاً. فضلا عن أن النيابة العامة تخضع إداريا الى وزارة العدل والسلطة التنفيذية، مما قد يشكل شعورا بالتأثير على إجراءاتها ومقرراتها تبعا للميول السياسية. لذا فقد نهجت أغلب تشريعات دول العالم المتقدم على  الفصل بين سلطتى الاتهام والتحقيق، فتجعل الاتهام من سلطة النيابة العامة، والتحقيق من اختصاص قاضى التحقيق وحده والذي يمارس عمله باستقلالية وحياد عن دور جمع الأدلة. ففي فرنسا تقوم النيابة العامة بتحريك دعوى الحق العام، أما التحقيق فيكون من إختصاص قاضي التحقيق. وهو ما نحتاجه ضمن تشريعنا الأردني بان يكون لكل من هاتين الوظيفتين جهاز مستقل عن الآخر على نحو يكفل الحياد والتوازن بين حقوق الإتهام وضمانات الدفاع. بان يكون من يتولى التحقيق جهة محايدة لم تتولَ الأتهام وجمع وسوق الأدلة مما يكون له الأثر في ثقة الرأي العام وإنجاز العدالة.

سيما وأن الواقع العملي يؤيد صحة هذا الأمر والذي يظهر جلياً بما للنيابة العامة والإدعاء العام من سلطة بإصدار أمر التوقيف والحبس الإحتياطي والإجراءات التحفظية، وهي تُصدر ذلك بصفتها المعنية بإثبات الإتهام وقبل أن يكون ثمة قرار بالإتهام ودون أن يستمع لقول المشتكى عليه والأدلة الدفاعية، وقد يمتد سريان مذكرة التوقيف الى ما بعد صدور قرار الإتهام وإحيانا الى ما بعد ختم بينات النيابة العامة وقد تصل الى آخر إجراءات المحاكمة. ولا يخفى على أحد بأن أخطر ما يواجهه الإنسان في حياته وإعتباره الإنساني هو إتهامه بإرتكاب جرم وحجز حريته بتوقيفه على أثر وجود شبهة بخرق القانون ليبقى مهددا طيلة إجراءات التحقيق والمحاكمة بثبوت هذا العارض من عدم ثبوته، مما يخل بكرامته وسمعته وإعتباره الإنساني والمجتمعي. حتى أصبح التوقيف عقوبة وليس أمر استثنائيا كما وصفه المشرع بالتعديل الأخير لقانون أصول المحاكمات الجزائية. إذ قد يكون للتوقيف في بعض الجرائم له ما يبرره، إلا أن منح الصلاحية التقديرية لتوفر مبررات التوقيف للنيابة العامة والإدعاء العام والتي تجمع سلطتي الإتهام والتحقيق يدعو للأسى وللأسف في ظل المنظومة التشريعية الأردنية الزاخرة بمبادئ قانونية متميزة وعلى درجة عالية من الرقي في مجال حقوق الإنسان والمحاكمة العادلة.

بالنتيجة فإن من متطلبات سيادة حكم القانون والنزاهة أن يتم الفصل بين سلطتي الإتهام والتحقيق وبما يغرس الشعور بالإطمئنان لدى المجتمع بعدالة الإجراءات وبما يكفل أن لا يفلت جانٍ ولا يظلم برئ.