ماجدة المعايطة
في زمنٍ أصبحت فيه "ردود الفعل” أهم من الفعل نفسه، لم يكن غريبًا أن يتحول تعليق صادر عن الملك تشارلز الثالث إلى مادة دسمة لوليمة إعلامية عالمية، تُقدَّم فيها التحليلات على طبق من المبالغة، ويُرشّ عليها قليل من "السبق الصحفي” وكثير من التكهّنات.
القصة باختصار – أو كما تحبها وسائل الإعلام: ليست باختصار إطلاقًا – أن ردًا ملكيًا جاء على سياق سياسي فيه اسم دونالد ترامب. ومن هنا، انطلقت ماكينة التفسير، فكل كلمة أصبحت "رسالة مشفّرة”، وكل ابتسامة "إشارة دبلوماسية عميقة”، وكل فاصلة "انعطافة في ميزان القوى العالمي”.
وسائل إعلام قررت أن الملك "لقّن ترامب درسًا”، وأخرى رأت أن الرد "دبلوماسي ناعم”، وثالثة – أكثر حماسًا – أكدت أننا أمام "تحول تاريخي في العلاقة بين التاج البريطاني والسياسة الأمريكية”، وكأننا على أعتاب إعادة كتابة التاريخ… بسبب جملة واحدة!
أما مواقع التواصل، فدخلت الحلبة بلا قفازات. هنا تجد من يصف الملك بأنه "أستاذ الردود الذكية”، وهناك من يرى أن ترامب "لم يتأثر أصلًا”، وبينهما جمهور واسع يتعامل مع الحدث كما لو أنه حلقة جديدة من مسلسل طويل اسمه "السياسة بنكهة الترفيه”.
اللافت في كل هذا ليس الرد نفسه، بل ردود الفعل عليه. فالإعلام اليوم لا يكتفي بنقل الحدث، بل يصنع حوله عالماً كاملاً من الإثارة، حتى يكاد القارئ يشعر أنه إن لم يتابع، فقد يفوته أهم حدث في القرن… بينما الحقيقة أبسط بكثير: تصريح قيل، وردّ جاء، وانتهى الأمر عند هذا الحد.
لكن، من قال إن البساطة تُباع؟ التعقيد هو السلعة الرائجة. وكلما زادت التحليلات، زادت المشاهدات، وزاد معها شعورنا بأننا نعيش في فيلم سياسي ضخم، رغم أن الكواليس قد لا تتجاوز بضعة أسطر مكتوبة بعناية.
في النهاية، يبدو أن الحدث الحقيقي لم يكن رد الملك ولا اسم ترامب، بل قدرتنا الجماعية على تحويل أي موقف عابر إلى "ملحمة إعلامية” مكتملة الأركان. وربما لو صمت الجميع قليلًا، لاكتشفنا أن بعض القصص… لا تحتاج كل هذا الضجيج كي تُفهم.




