عماد
داود
لم يمت
هاني شاكر!
لكن
شيئًا مات فينا نحن — حين سمعنا الخبر!
شيء لم
يكن صوتًا!
كان
قدرةً!
قدرة
الإنسان على أن يتوقف في منتصف الطريق — ويسمع!
في
الثمانينات…
حين
كانت الستائر النظيفة تخفي جدرانًا أكلتها الرطوبة والصبر —
كان
الموظف يقتطع من ضروراته ليشتري شريط كاسيت!
لم يكن
يشتري أغنية!
كان
يشتري إذنًا!
إذنًا
لنفسه أن يشعر!
لأن
الشعور — في زمن ذلك المواطن — لم يكن ترفًا!
كان
دليلًا على أنه لا يزال هنا!
لا
يزال إنسانًا!
لا
يزال يستحق أن يُبكى عليه!
رأى
ديكنز كرامة البسطاء في ما يحتفظون به رغم الفقر!
هذه
الطبقة كانت تحتفظ بهاني شاكر!
ترتدي
أحزانه كأناقة خفية!
تخفي
بها فقرها — وتعلن بها إنسانيتها!
وكان
ذلك كافيًا!
وكان
ذلك عدلًا!
* * *
الجمال
لا يولد في الجوع!
الجمال
يولد في الهامش!
والهامش
يولد في الاستقرار!
والاستقرار
يولد في العدل!
وحين
يغيب العدل…
تُشيَّع
الأغنية قبل المطرب!
الثمانينات
لم تكن فقط زمنًا!
كانت
عقدًا اجتماعيًا غير مكتوب!
كان
المواطن يملك شيئًا لا يظهر في الميزانيات:
كان
يملك وقتًا!
مكالمة
طويلة بلا عداد!
سيجارة
بعد العشاء!
وقفة
على الشرفة تكفي للتنفس!
رحلة
شتاء إلى البتراء — وصيف إلى العقبة!
هذه لم
تكن كماليات!
هذه
كانت الحياة نفسها!
هذه
كانت الشواهد الحية على أن ثمة إنسانًا يعيش — لا أداةً تعمل!
* * *
اليوم…
يُطلب
منك أن تتخلى!
يُقال
لك: اختصر!
خفّف!
توقف
أقل — واشعر أقل!
وحين
تُسمّى الحياة "هدرًا"…
يبدأ
الإنسان بالتنازل عن نفسه — قطعةً قطعة!
الأغنية
لم تكن كمالية!
كانت
تقول لك: ما تشعر به يستحق أن يُغنّى!
والتوقف
على المفرق لم يكن عبثًا!
كان
الفرق بين من يعيش — ومن يتنفس فقط!
لكن
الرغيف لم يعد خبزًا!
صار
ديكتاتورًا يبتلع كل شيء:
الوقت!
الحلم!
الذائقة!
حتى
القدرة على البكاء!
وهنا
فهمنا ما قاله دوستويفسكي:
حين
يُذَل الإنسان اقتصاديًا —
يفقد
أولًا قدرته على الحلم!
ثم
الغناء!
ثم كل
شيء!
ويبقى…
صامتًا!
* * *
ثم —
من أعلى —
يأتيك
درس في "التقشف"!
يُطلب
من المنهَك أن يتخلى!
من
الذي لم يبقَ لديه شيء — أن يتنازل أكثر!
هذه
ليست نصيحة!
هذه
محاكمة!
محاكمة
يُطلب فيها من الضحية:
أن
تتألم بأدب!
أن
تجوع بصمت!
أن
تموت… بشكل لا يُزعج أحدًا!
يريدون
فقرًا نظيفًا!
صامتًا!
غير
مرئي!
فقرًا
لا يتنفس — ولا يعترض — ولا يفسد مشهد الوعظ!
* * *
الحقيقة
أبسط!
وأقسى!
لا أحد
منع الغناء!
لكن تم
إنهاك من يسمعه — حتى اختفى!
انكسر
الأمير بداخل كل واحد منا!
تحولت
الأغاني من رفيق طريق — إلى شاهد قبر!
ما رحل
مع هاني شاكر…
ليس
صوته!
بل
القدرة على استقباله!
* * *
لا
تنشغلوا بجنازة المطرب!
اسألوا
السؤال الذي لا يُطرح:
كيف
وصلنا إلى هنا؟!
كيف
أصبح التوقف تهمة؟!
والشعور
كُلفة؟!
والغناء
فائضًا غير مرغوب فيه؟!
هذا
الزمن لن يعود بمرثاة!
ولا
بأغنية!
ولا
بحنين!
يعود
فقط —
حين
يبدأ التقشف من الأعلى!
لا من
جيب من كان يشتري شريط كاسيت…
ليحمي
ما تبقّى من روحه!
وحتى
ذلك الحين —
لن
نغني لأننا بخير!
سنغني…
لأن
الغناء هو آخر ما يتبقى —
حين
يُؤخذ كل شيء!
رحمه الله!




