شريط الأخبار

المحتوى الرقمي .. تطبيع مع أنماط سلوكية منحرفة

المحتوى الرقمي .. تطبيع مع أنماط سلوكية منحرفة
كرمالكم :  

محمود الخطاطبة

هي ليست مسألة محتوى رقمي عابر، ولا موجة سلوكيات يُمكن التعامل معها بوصفها ظاهرة تخبو مع الوقت، بل تحول أعمق وأخطر.

ردة قيمية رقمية تتشكل داخل الفضاء العام، ويجري صياغتها يوميًا عبر ما يبدو أنه ترفيه بريء أو تفاعل لحظي، لكنه في الحقيقة يُراكم طبقات من التطبيع مع أنماط سلوكية مُنحرفة، ستظهر ككُلفة لاحقة على شكل هوية مُضطربة وسلوك اجتماعي مُتغير.

فما يحدث اليوم على سبيل المثال عبر منصات التمرير السريع: «إنستغرام» و»تيك توك»، لا يُمكن قراءته خارج سياق انتقال تدريجي من منظومة سوية إلى أُخرى تقوم على تعظيم الاستهلاك السريع وإضعاف القدرة على التمييز.

الخطورة ليست في وجود محتوى هابط أو لاأخلاقي، فهذا كان موجودًا بأشكال مُختلفة في كُل الفضاءات منذ خلق السماوات والأرض، بل في تحوله إلى بيئة معيارية، قادرة على إعادة تعريف القبول الاجتماعي ومنحه شرعية الانتشار، لأن الترند هو المعيار.. أي أن الخطر ليس بالانحراف الفردي على أهمتيه، بل في التطبيع الجمعي مع أنماط من السلوك واللغة والصورة التي تتسلل إلى الوعي تحت مُبرر «الجمهور يُريد كذلك».

ومع الوقت، تتحول هذه الأنماط إلى جزء من الهوية اليومية، خصوصًا لدى الأجيال الشابة التي تتشكل ذائقتها في بيئة رقمية كاملة، لا تعرف الفاصل بين الواقع والتمثيل، ولا بين القيمة والانتشار.

وهُنا، تتكشف الكُلفة الحقيقية لهذه الردة، فهي ليست أخلاقية فقط، بل اقتصادية وسلوكية أيضًا، فالمُجتمعات التي تفقد تماسكها القيمي تدريجيًا، تدفع لاحقًا ثمن ذلك على شكل تردي وتراجع في جودة التعليم، واضطراب في أنماط العمل والعلاقات، لأن السلوك في «الكباريه» الرقمي سيُعاد إنتاجه غدًا شئنا أم أبينا في مُجمل مجالات الحياة والفضاء العام وسوق العمل.

الأخطر أن هذه العملية تتلاعب بالوعي، فتمر عليه دون إثارة دفاعاته، لأن الخوارزميات تقترح، لكنها تقترح دائمًا ما يُبقي الإنسان أطول وقت مُمكن داخل الشاشة، حتى لو كان ذلك على حساب العُمق والمعنى.. ومع التكرار تتحول البذاءة إلى عادة، والنخاسة إلى معيار، وقلة الذوق والسوقية إلى لغة مألوفة تُخدر الوعي.

أقول إن الحديث عن الأمن الرقمي أو السيبراني والجرائم الإلكترونية غير مُكتمل إذا لم يمتد إلى هذا المُستوى غير المرئي من التأثير، فالمسألة لم تعد حماية بيانات أو أنظمة فقط، بل حماية النشء والقيمة، خصوصًا أن الخطر اليوم يتفاقم جراء الصعود المُتسارع للذكاء الاصطناعي، إذ أصبحت المنصات الرقمية قادرة على قراءة السلوك الإنساني، وتحليل الاهتمامات، وإعادة إنتاج المُحتوى بما يتناسب مع نقاط التأثير الفردية والجماعية بما في ذلك العلاقات الأُسرية والإلحاد وكراهية الأوطان.

وعليه، لم يعُد كافيًا أن يبقى قانون الجرائم الإلكترونية قاصرًا عن مُعالجة التهديدات الرقمية التي تُعيد إنتاج نماذج سلوكية قائمة على الإثارة والابتذال بوصفها معيارًا للانتشار والتأثير.

الغد