شريط الأخبار

ما موقف الصين من العقوبات الأمريكية الأخيرة على إيران؟

ما موقف الصين من العقوبات الأمريكية الأخيرة على إيران؟
كرمالكم :  

د. مثنى عبدالله

لا شك في أن الصين والولايات المتحدة الأمريكية، قد باتتا اليوم منافستين إستراتيجيتين طويلتي الأمد، ونظامين خصمين يحملان رؤى متباينة للغاية لمستقبل العالم. فالصين تسعى لتعزيز نظام عالمي بديل لا تكون فيه الولايات المتحدة في المركز، بينما تحرص الأخيرة على الحفاظ على هيمنتها.

لكن يبدو أن الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ، قد اتفقا على ولوج مرحلة من الهدوء الاستراتيجي النسبي في العلاقات الثنائية. ومع ذلك لا يمكن التغاضي عن المطبات التي تظهر بين الحين والآخر في هذه المرحلة. فاختلاف المنهجين لا بد أن يقود إلى تقاطع في المسارات، ولعل أحد هذه التقاطعات تكمن في العلاقة الشائكة بين الولايات المتحدة وإيران، والعلاقة الاستراتيجية بين الصين وإيران. فهل ستكون العقوبات الأمريكية الأخيرة على إيران نقطة اضطراب تقود إلى حرب اقتصادية أوسع؟ وما الذي تخشاه الصين في ظل هذه العقوبات الاقتصادية الأمريكية على إيران؟

بعد أقل من 24 ساعة من إعلان الولايات المتحدة عن ما سُميت (عملية الغضب الملحمي الاقتصادي)، خرج المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية ليقول، إن الصين تُعارض العقوبات الأحادية غير القانونية، وإن الحرب الاقتصادية لا تساعد في حل المشكلات، بل ستؤدي إلى تأجيج مزيد من الصراع.

بكين لا تنظر إلى طهران على أنها فقط مُجهّز للنفط، بل هي شريك تجاري مهم لها، وشريك في مبادرة الحزام والطريق الصينية، وشريك أمني واستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط

ولا يبدو هذا الموقف الصيني غريبا أبداً، فقلقها وهاجسها الأساسي من هذه الإجراءات الأمريكية تعزوه إلى قضية مبدأ. فهي ترى أن الولايات المتحدة عندما تفرض هذه العقوبات، سواء على إيران أو على غيرها من الدول، إنما تبغي من ورائها تحقيق أهدافها الخاصة، بينما الصين غير مُلزمة بتحقيق أهداف واشنطن. إذن هي مسألة سيادة كما تراها بكين. وعندما تتلقى تحذيراً، أو أمراً من الولايات المتحدة الأمريكية، يقضي بعدم الدخول في علاقة تجارية مع هذا الطرف أو ذاك، وهذا الأمر ليس صادراً عن مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، فهي تحسبه انتهاكا للقانون الدولي. كما أنها ترى أن الإجراءات الاقتصادية الأمريكية ضد إيران، تأتي بعد الحرب التي حدثت من دون تفويض أممي. وعليه فإن بكين تشعر بأن الولايات المتحدة تحاول قطع علاقة تجارية واسعة واستراتيجية قائمة بينها وبين إيران. فهل سوف تلتزم الصين بهذه العقوبات؟ وما هي أدواتها إن كانت سترفض الالتزام بها؟

لا شك في أن الصين قد خبرت العقوبات الأمريكية، ولها باع طويل في مقارعتها في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهي تُدرك وتفهم جيداً كيفية التعامل مع هذه الإدارة، ومع السياسات الأمريكية بوجه عام. ومن خلال ما أدلى به المتحدث باسم خارجيتها، وكذلك من خلال الواقع، فإنها لن تلتزم بأي عقوبات تفرضها الولايات المتحدة، ليس بسبب حاجتها إلى النفط الإيراني، بل بالعكس النفط الإيراني لا يشكل سوى نسبة 10 ـ 15% من البنية الطاقوية للصين. لكن رفضها مبني على أساس، أنه ليس من حق الولايات المتحدة الأمريكية، أن تحدد لها مع من تتعامل ومع من لا تتعامل تجارياً. أما ما هي أدواتها التي ستمكنها من تجاهل هذه العقوبات، فهنا لا بد من أن نشير إلى أن بكين وواشنطن عقب الزيارة التي قام بها ترامب إلى الصين هذا العام، فقد تم الاتفاق على بعض البنود الخاصة بالحرب التجارية، وتمت إدارة الخلافات في بعض الأمور، بحيث لن يتم فرض رسوم جمركية إضافية على الطرفين. لكن أن تقوم الولايات المتحدة بأي تصرف عقابي يخص مؤسسات صينية مهمة، كالبنوك والشركات الكبرى، فذلك يعني أن واشنطن تكون قد خرقت هذه الهدنة، وستكون هناك طرق لدى الصين لمواجهتها، من بينها ورقة المعادن النادرة، وهو خيار سبق وتم التلويح به في حرب الرسوم الجمركية.

إن المعلومات الواردة من الصين تشير الى، أن ثمانية من البنوك الصينية الكبرى تتخوف من العقوبات الأمريكية الأخيرة، ويبدو أنها ستُحجم عن القيام بالتعاملات المالية مع طهران. ولربما سوف يزداد هذا العدد مع وضوح عملية تطبيق العقوبات. وقد قامت السلطات الصينية بتوجيه بعض الإشارات إلى أجهزتها الاقتصادية، خاصة في ما يتعلق بالبنوك الكبرى، بأن تتصرف بما تراه مناسباً. ولا شك في أن بكين تأخذ بنظر الاعتبار علاقاتها مع واشنطن، حالها حال أي دولة أخرى ترى مصالحها أولا وترعاها بغض النظر عن الاعتبارات الأخرى. كما أن موقفها واضح وهو أنه في حال كان هناك تفويض أممي يلزم الجميع بهذه العقوبات، فإنها ستلتزم وتمتثل له أيضا. في حين ليس هذا هو الحال بالنسبة للعقوبات الأمريكية الأخيرة على إيران. ومع ذلك فمن المؤكد أن هذه العقوبات ستكون أحد بنود المباحثات بين الرئيسين ترامب وبينغ، في اللقاء الذي سيجمعهما في الشهر الجاري في الولايات المتحدة. كما إن الاجتماع الأخير لهما في شهر مايو من العام الحالي، قد تم التركيز فيه على ضرورة إرساء استقرار استراتيجي في العلاقة بين البلدين. وهذا يعني أن الدولتين حريصتان للغاية على العلاقة التي تربطهما.

لقد تحوّطت الصين منذ فترة لهذا الوضع الحالي المتأزم بين الولايات المتحدة وإيران، فقلّصت من حاجتها المباشرة لنفط الخليج إلى نسبة 6%، وزادت من إنتاج الفحم الحجري، واعتمدت سياسة البدائل الأخرى في الحصول على النفط، سواء من افريقيا والبرازيل وروسيا ودول أخرى. كما أفرجت عن بعض مخزونها النفطي الاستراتيجي. وبذلك تستطيع أن تغطي حاجاتها من النفط بعيدا عن إيران. ومع ذلك فإن بكين لا تنظر إلى طهران على أنها فقط مُجهّز للنفط، بل هي شريك تجاري مهم لها، وشريك في مبادرة الحزام والطريق الصينية، وشريك أمني واستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط. وهي لا تتمنى أن يسقط النظام الحاكم في إيران، أو إخضاعه فيكون أداة طيّعة بيد الولايات المتحدة.

إن ما يجدر الانتباه إليه هو أنه على الرغم من أن بكين تُعلل رفضها للعقوبات الأمريكية على طهران ، بأنها عقوبات أُحادية وليست أُممية، لكن في العلاقات الدولية دائماً هنالك فرق كبير بين الشرعية والفاعلية. ربما الصين ترفض العقوبات من حيث المظهر لأسباب سياسية، ولكن من حيث الفاعلية فإن العقوبات ستخنق عددا كبيرا من الشرايين الإيرانية، ما يُشكل كلفة اقتصادية وحتى سياسية كبيرة، لا يبدو الجانب الصيني مستعدا لتحملها من أجل إيران، في ظل الاعتماد المتبادل بينه وبين الجانب الأمريكي وهو كبير جدا. فالصين هي أحد الشركاء الرئيسيين للولايات المتحدة، بحجم تبادل تجاري يصل إلى حوالي 405 مليارات دولار، منها حوالي 300 مليار دولار صادرات صينية.

كاتب عراقي- القدس العربي