شريط الأخبار

الاحتلال يغلق القنصلية البريطانية بالقدس.. ولندن تدرس الرد

الاحتلال يغلق القنصلية البريطانية بالقدس.. ولندن تدرس الرد
كرمالكم :  

أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، اليوم الخميس، إغلاق القنصلية البريطانية في الشطر الشرقي من مدينة القدس المحتلة، محدداً في منشور عبر منصة إكس سلسلة من الإجراءات العقابية الإسرائيلية رداً على إجراءات بريطاتيا ضد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة على خلفية تصاعد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين. في المقابل، قال وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند، إن مبنى القنصلية العامة البريطانية في القدس المحتلة لن يُغلق، لكنه سيُعرف باسم "البعثة البريطانية في القدس"، وسيظل مستقلاً وقيد التشغيل ويواصل خدمة الفلسطينيين. وأوضح ميليباند أن بريطانيا ستعمل الآن على تعزيز وجودها مجدداً، وذلك بعدما سحبت عدداً من موظفي القنصلية البريطانية في القدس وعائلاتهم خلال الأسابيع الماضية.

في غضون ذلك، أكّد ساعر أن القنصلية البريطانية في القدس تنهي نشاطها اليوم، مشدداً على أن بريطانيا لن تتخذ أي إجراءات ضد إسرائيل. وبناءً على ذلك، أزيلت لافتة القنصلية البريطانية في القدس. وزعم ساعر أنه "لم نكن نرغب في الوصول إلى هذا الوضع، لكن سياسات حكومة حزب العمال قادتنا إليه"، مشيراً إلى أن آخر قرار في هذه السلسلة هو المبادرة إلى فرض مجموعة من العقوبات واسعة النطاق على الاستيطان في الضفة، إلى جانب عقوبات إضافية تتعلق بتوسيع تعليق تراخيص تصدير "المعدات الدفاعية" إلى إسرائيل.

وتتضمن الإجراءات الإسرائيلية، بحسب ساعر، إبعاد الممثلين البريطانيين من مركز المساعدات الدولي لغزة في كريات غات جنوب إسرائيل؛ ووقف النشاط البريطاني لتدريب قوات السلطة الفلسطينية في "يهودا والسامرة" (التسمية التوراتية للضفة الغربية)؛ ومنع دخول 12 منتخباً ومسؤولاً ومواطناً بريطانياً آخرين إلى إسرائيل، ممن ينخرطون في نشاطات "معادية للسامية ومعادية لإسرائيل"، على حد قول ساعر الذي اتهم المعنيين بهذا القرار "بإنكار حق دولة إسرائيل في الوجود".

ولفت ساعر إلى أنه خلال الأسبوع الماضي، "أجرينا حواراً مع الحكومة البريطانية بهدف منع المزيد من التصعيد في العلاقات بين البلدين بسبب إغلاق القنصلية"، مشيراً إلى أنه "مساء أمس، توصلنا إلى تفاهمات تستند إلى المبادئ التالية: كما أعلنت، أنهت القنصلية البريطانية في القدس عملها اليوم. وسينهي القنصل العام و20 دبلوماسياً آخرين، بمن فيهم القنصل العام، مهامهم ويغادرون إسرائيل". أمّا بالنسبة للمبنى الذي كانت تستخدمه القنصلية "فهو ملك للحكومة البريطانية وقد سمحنا للأخيرة بتشغيل فريق عمل في المبنى، الذي لم يعد منذ اليوم مستخدماً قنصليةً، على أن يتكون الفريق من سبعة دبلوماسيين فقط وأن تكون أنشطته محدودة جداً". وتابع مهدداً: "على كل دولة تتخذ خطوات ضد إسرائيل أن تدرك أن لذلك ثمناً. لن تحقق من ذلك مكاسب، بل العكس. لقد انتهت فترة ضبط النفس الإسرائيلي، على الصعيدين الأمني والسياسي على حد سواء".

وعلى الرغم من كل هذه الإجراءات، قال ساعر إن "العلاقات بين إسرائيل وبريطانيا مهمة، وقد أثبتت مراراً قيمتها، بما في ذلك في حماية حياة المواطنين البريطانيين ومصالحهم. ومؤخراً فقط، نقلت إسرائيل إلى بريطانيا معلومات حيوية في قضية RAF Fairford". وذكر أنه "ووفقاً للتفاهمات التي توصلنا إليها (مع لندن)، لن تُتخذ خطوات ضد إسرائيل نتيجة لتنفيذ هذه القرارات (الإجراءات الإسرائيلية).

ما تقدّم يُفاقِم من تدهور العلاقات بين الجانبين؛ إذ إنه عشية الموعد الذي حددته إسرائيل لإغلاق القنصلية البريطانية في القدس المحتلة، استمرت حتّى مساء أمس الأربعاء، الاتصالات خلف الكواليس بين تل أبيب ولندن، في محاولة في اللحظة الأخيرة لمنع نشوب أزمة دبلوماسية حادة بين الجانبين، على ما أوردته صحيفة "معاريف" العبرية، مساء أمس. وأشارت إلى أن البريطانيين تواصلوا، في الوقت نفسه، مع دول أوروبية، طالبين منها التدخل في محاولة لإقناع إسرائيل بالعدول عن قرارها. وحتى مساء أمس، لم يجرِ التوصل إلى تسوية، ولا إلى اتفاق على تأجيل الخطوة، إذ أصرت إسرائيل وفق الصحيفة على المضي في إغلاق القنصلية بموعدٍ حددته سابقاً.

وطبقاً للصحيفة، واصلت القنصلية في القدس عملها وتقديم خدماتها أمس، ونقلت عن مصادر في وزارة الخارجية الإسرائيلية أن "مهلة الثلاثين يوماً التي منحتها إسرائيل لبريطانيا تنتهي غداً (اليوم)، وأن الموعد لا يزال قائماً".

مناقشات في لندن للرد على قرار الإغلاق

وفي لندن، جرت أيضاً مناقشات بشأن الرد في حال تنفيذ إسرائيل قرارها، وفقاً لـ"معاريف"، ومن بين الخيارات المطروحة كان ترحيل دبلوماسيين إسرائيليين، وقد نُقلت إلى إسرائيل خلال الأيام الأخيرة رسالة مفادها أن الرد قد يشمل طرد 27 دبلوماسياً إسرائيلياً، وهو عدد مماثل لعدد الدبلوماسيين البريطانيين الذين يُتوقع أن يتأثر وضعهم. إلا أن ميليباند أكد أن بريطانيا لن تتخذ أي إجراءات مماثلة ضد إسرائيل بينما يواصل الطرفان المحادثات، وذلك بعد تكهنات بأن لندن قد تطرد بعض الدبلوماسيين الإسرائيليين من بريطانيا. 

وقاد الجهود البريطانية لمنع إغلاق القنصلية، مستشار الأمن القومي جوناثان باول، الذي وصل سراً إلى إسرائيل الأسبوع الماضي واجتمع مع مسؤولين إسرائيليين كبار بحسب الصحيفة. وأكدت مصادر مطلعة على الموضوع الزيارة، التي لم تُعلَن في حينها. ولم تؤكد إسرائيل زيارة باول، لكنها لم تنفها أيضاً، بحسب "معاريف".

سابقة القنصلية البريطانية قد تؤثر في ممثليات أخرى

وبالإضافة إلى بريطانيا، تحتفظ دول من بينها فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وإيطاليا بممثليات في القدس تتمتع بوضع تاريخي خاص. ويخشى مسؤولون أوروبيون من أن تتحول الخطوة ضد البريطانيين إلى سابقة قد تؤثر مستقبلاً أيضاً في ممثليات أخرى؛ إذ قال مسؤولون أوروبيون بحسب "معاريف" إن "التطورات تثير اهتماماً خاصاً في القنصليتين، الفرنسية والإسبانية، على خلفية التساؤل عما إذا كانت الخطوة ضد بريطانيا قد تؤثر لاحقاً أيضاً في وضعهما.

قال مسؤولون أوروبيون بحسب "معاريف" إن "التطورات تثير اهتماماً خاصاً في القنصليتين الفرنسية والإسبانية، على خلفية التساؤل عما إذا كانت الخطوة ضد بريطانيا قد تؤثر لاحقاً أيضاً على وضعهما

وبعد زيارته لإسرائيل، واصل باول رحلته إلى الأردن، حيث التقى الملك عبد الله. ووفقاً لبيان صادر عن الديوان الملكي، بحث الاثنان التطورات في الضفة الغربية والقدس. ولا يوجد حتى الآن تأكيد أن الأردن يؤدي دور الوسيط في أزمة القنصلية، إلا أن اللقاء جاء في إطار جولة باول في المنطقة، وفي وقت تحركت فيه لندن مع جهات أخرى، في محاولة لمنع الإغلاق.

وعارضت الولايات المتحدة العقوبات البريطانية التي كانت في خلفية القرار الإسرائيلي، إلا أن المعلومات الواردة من واشنطن أشارت، بحسب "معاريف"، إلى موقف أكثر تحفظاً من ذلك الذي عكسته التصريحات الحادة للسفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي. وكان رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام قد أطلع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مسبقاً على الخطوات البريطانية، ولم يطلب منه ترامب التراجع عنها. وأوضح مسؤولون أميركيون للبريطانيين أنهم يشاركونهم القلق بشأن تطورات الوضع الأمني في الضفة، رغم اختلافهم في قرار استخدام العقوبات.

وبحسب الصحيفة، استعدت لندن لسيناريو فشل الاتصالات. ووفقاً لما نقلته عن مسؤولين دبلوماسيين، بُحث خيار نقل جزء من النشاط البريطاني المتعلق بالفلسطينيين إلى رام الله. وينطوي هذا الحل أيضاً على صعوبات، إذ إن إسرائيل أمرت بالفعل الفريق البريطاني الذي كان يدرب الأجهزة الأمنية الفلسطينية في رام الله بوقف نشاطه. إضافة إلى ذلك، إن نقل النشاط إلى رام الله لن يحل بالضرورة مسألة حرية الحركة ووضع الدبلوماسيين البريطانيين، اللذين يعتمدان إلى حد كبير على قرار إسرائيل.

وتتمتع القنصلية بوضع استثنائي ضمن المنظومة الدبلوماسية البريطانية في المنطقة. فالوجود القنصلي البريطاني في القدس قائم بأشكال مختلفة منذ عام 1838، والقنصلية ليست فرعاً من السفارة البريطانية في إسرائيل. ولا يخضع القنصل العام في القدس للسفير البريطاني في إسرائيل، بل يرفع تقاريره مباشرة إلى لندن، وتستخدم بريطانيا هذه الممثلية لإدارة علاقاتها مع الفلسطينيين في الشطر الشرقي من القدس والضفة الغربية وقطاع غزة. وبسبب هذا الوضع الخاص للقنصلية، يحمل إغلاقها، بالنسبة إلى لندن، دلالات تتعلق أيضاً بموقفها السياسي من قضية القدس وبعلاقاتها مع الفلسطينيين.

التطورات الآنفة، أتت بينما دار جدل قانوني حول صلاحية إسرائيل لإغلاق القنصلية؛ إذ قالت لندن بحسب الصحيفة إنه بما أن بريطانيا لا تعترف بالسيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية، لا تملك إسرائيل صلاحية إغلاق القنصلية نفسها. وأفادت مذكرة قانونية قُدمت إلى وزارة الخارجية البريطانية من المدعي العام البريطاني السابق دومينيك غريف بأن إسرائيل ليست مخولة باستخدام سيادتها في القدس الشرقية من أجل إغلاق الممثلية. كذلك دعت رئيسة لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني، إميلي ثورنبيري، الحكومة إلى عدم قبول المطالبة الإسرائيلية بإغلاقها. وعملياً، تستطيع إسرائيل سحب الصفة الدبلوماسية من أفراد الممثلية، وبذلك تُمنَع من مواصلة نشاطها، وفق "معاريف".

العربي الجديد