السفير جمعة العبادي
حين يستهدف الإرهاب الأردن، فإنه لا يستهدف حادثة بعينها أو موقعاً محدداً، بل يحاول النيل من أمن الدولة واستقرارها، وضرب وحدتها الوطنية ونسيجها المجتمعي. وما بين الجريمة التي استهدفت كنيسة بلدة حمود في محافظة الكرك، والاعتداء الإرهابي الذي أودى بحياة فتى الأردن الباسل الشهيد جواد السلايطة ، وإصابة الملازم البطل فراس العنانزه ، تتضح خطورة الفكر الإجرامي المتطرف الذي يسعى إلى نشر الخوف والفوضى وإثارة الفتنة وإرباك المشهد وشق الصف الوطني .
إن دلالات هذه الجرائم تتجاوز استهداف الضحايا إلى محاولة ضرب الثقة بين أبناء المجتمع ومؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية ، واستغلال التنوع الديني والاجتماعي لإثارة الفتنة والانقسام ، الإرهاب لا دين له ، ولا يميز بين أردني وآخر، ولا بين دور عبادة ومؤسسات أمنية، بل يستهدف الأردن بكل مكوناته وثوابته، ويهدد النموذج الوطني القائم على القيم والمبادئ الساميه التي تجمع كافة أبنائه الذين يعيشون تحت سماء هذا الحمى العزيز.
في مواجهة هذه التحديات، لم يعد كافياً الاكتفاء بإدانة الجرائم وملاحقة مرتكبيها، بل أصبح من الضروره القصوى تبني خطة وطنية شاملة ومتكاملة لمكافحة الفكر التكفيري والتطرف والإرهاب بكافة عناصره وأدواته ، تتكامل فيها الأبعاد الأمنية والتشريعية والقانونية والفكرية والاجتماعية، وتقوم على رؤية واضحة وبرامج عملية ومسؤوليات محددة.
فعلى الصعيد الأمني، تبرز ضرورة تعزيز قدرات أجهزتنا الأمنية المختصة، ورفع مستوى الجاهزية والاستباق الأمني، وتطوير أدوات الرصد وتبادل المعلومات، وملاحقة الخلايا المتطرفة ومصادر تجنيدها وتمويلها وتحريضها، وتوفير الإمكانات اللازمة لحماية الوطن والمواطنين، مع توفير كل أشكال الدعم والحماية لمنتسبي الأجهزة الأمنية ، الذين يقفون في الصفوف الأمامية دفاعاً عن أمن الأردن واستقراره.
وعلى الصعيد التشريعي والقانوني والقضائي، تستوجب خطورة المرحلة مراجعة التشريعات والقوانين الناظمة لمكافحة الإرهاب، والتوجه نحو إقرار أحكام وإجراءات قضائية خاصة وصارمة للتعامل مع الجرائم الإرهابية، تضمن سرعة التحقيق والمحاكمة وتنفيذ الأحكام، وتشديد وتغليظ العقوبات الرادعة بحق مرتكبي هذه الجرائم والمحرضين عليها والممولين لها، بما يحقق الردع العام والخاص ، ويحمي أمن الدولة والمجتمع، في إطار العدالة وسيادة القانون والضمانات الدستورية.
وغني عن القول بأن المواجهة الأمنية والتشريعية، على أهميتهما، لن تكتمل دون معركة للوعي في مواجهة فكرية واجتماعية تستهدف منابع التطرف والتكفير، وتجفيف مصادر التحريض والكراهية، وتحصين الشباب من الأفكار الهدامة، وتعزيز قيم الاعتدال والوسطية والمواطنة. وهنا تبرز مسؤولية الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني في بناء وعي وطني يحصّن المجتمع من الاختراق الفكري ويعزز احترام الآخر وقبول الاختلاف ، والحيلولة دون تمكين أصحاب الفكر الظلامي من اختراق منظومات ومكونات وركائز المجتمع .
كما تستوجب المرحلة الراهنة تعزيز الشراكة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وتوحيد الخطاب الوطني في مواجهة الإرهاب، والتصدي للشائعات ومحاولات التضليل وإثارة البلبلة، وعدم السماح لأي جهة باستغلال الأحداث الأمنية للنيل من الثقة بمؤسساتنا الوطنية والأمنيه، أو إثارة الانقسامات . فالتلاحم الوطني ليس مجرد شعار، بل هو ركيزة الأمن والاستقرار وخط الدفاع الأول عن الأردن.
لقد أثبت الأردنيون، عبر تاريخهم، أن اختلاف أصولهم ومنابتهم ومعتقداتهم مصدر غنى وقوة، وأنهم أسرة وطنية واحدة تجمعها الأرض والهوية والمصير، وتوحدها القيادة الهاشمية. وستبقى وحدتهم وتماسكهم وإيمانهم بوطنهم وأردنيتهم ، أقوى من كل محاولات الفتنة والتطرف.
إن دماء الشهيد جواد السلايطة وتضحيات شهداء الوطن لن تضيع وستبقى أمانة في أعناق كافة أبناء الوطن ، على اختلاف وتنوع مشاربهم ومعتقداتهم ، تستوجب المزيد من اليقظة والحزم في مواجهة الإرهاب، والمزيد من الوعي والتكاتف في حماية الجبهة الداخلية.
لك الله يا أردن، يا وطن العز والكرامة. ستبقى قوياً بقيادتك الهاشمية، منيعاً بوحدة أبنائك، عصياً على الإرهاب والفكر الظلامي. وسيبقى الأردنيون صفاً واحداً خلف قيادتهم الهاشمية ، سنداً وعزوة في حماية الوطن وصون أمنه واستقراره ، بجمعهم عنوان واحد " كلنا الأردن".
الأردن خط أحمر ، وطنّ الغيارى ، أكبر من أن تنال منه جريمة، وأقوى من أن تهزه جماعة أو ثله متطرفة، وأقوى من أن تمس وحدته أفكار الكراهية والتكفير . وستظل وحدتنا الوطنية حصننا المنيع، وسيظل الوعي والحزم والتلاحم الوطني عنوان انتصارنا في معركة حماية الأردن والذود عنه ورد كيد الكائدين إلى نحورهم .
حفظ الله الأردن قوياً عزيزاً آمناً مستقراً، ورحم شهداءه، وأدام على شعبه نعمة الأمن والأمان.


