أحمد سعد الحجاج
في عمق المشهد الاجتماعي الأردني تتشكل ظاهرة ثقيلة الظل، تتسع ببطء وتتحول عاماً بعد عام إلى هاجسٍ لا يمكن دفنه تحت ضجيج الحياة اليومية. إنها العنوسة... تلك الكلمة التي التصقت بالفتيات ظلما حتى باتت أشبه بوصمة لا بذنب ارتكبنه ولا بعيبٍ فيهن، بينما هي في حقيقتها مرآة لواقع اقتصادي مثقل وضغوط اجتماعية متوارثة وانكسارات متراكمة في أحلام جيلٍ كامل. تشبه الظاهرة ناراً تحت الرماد؛ لا تصرخ، لكنها تحرق.
ومع أن الأرقام المتداولة لا تستند دائماً إلى سجلات رسمية حديثة، إلا أن الاتجاه العام واضح كالشمس: تراجع في نسب الزواج، ارتفاع في متوسط العمر عند الارتباط، وطبقة متسعة من الشابات والشباب العالقين على عتبة مرحلة كان يفترض أن تمنحهم الاستقرار والسكينة. فالغلاء يطبق على صدور المقبلين على الزواج، وتكاليف الارتباط تقف كجبال شاهقة لا يقدر شباب بمرتبات متواضعة أن يتسلقوها، بينما تسهم البطالة في تكريس عزوف غير مقصود عن خطوة كان يُنظر إليها بوصفها انتقالًا طبيعيًا في العمر والمسار.
ومن خلف الأوضاع الاقتصادية،تنهض العادات والتقاليد كجدار ثانٍ لا يقل صلابة؛ متطلبات مبالغ فيها، حفلات ترهق العريس وأهله، ومهور تتسع بين طبقة وأخرى كهوة لا جسر لها. يضاف إلى ذلك موروث اجتماعي يقلل من شأن الفتاة التي يتأخر زواجها، وكأن عمرها ملك لأعين الآخرين، لا لخياراتها وطموحها وكرامتها. ومع التحول التعليمي والمهني الذي جعل كثيرات ينشغلن ببناء مستقبل مستقر، ازدادت سنوات التأخر دون أن يواكب المجتمع هذا التغير الطبيعي، فصار ينظر إلى التأخير كخلل لا كحق.
ولا يمكن إغفال التحولات في أولويات الجيلين؛ شباب يطاردون فرصة عمل ثابتة تعصمهم من تقلب الأيام، وفتيات يسعين لتحصيل درجات عالية وتأمين حياة كريمة، في وقت لم يعد الزواج قراراً سريعاً كما كان، بل مشروعاً يحتاج إلى تخطيط طويل وترقب وحسابات دقيقة. وهكذا تتشابك الأسباب وتتعقد الصورة، حتى تغدو العنوسة نتيجة لا حالة مستقلة، نهاية سلسلة طويلة من اختلالات ليست المرأة طرفها الأصيل.
أما الحلول، فلا يمكن أن تنهض من فراغ. تبدأ من معالجة الجذور الاقتصادية عبر توفير فرص عمل حقيقية للشباب وتخفيف كلفة الزواج وتشجيع ثقافة التيسير، مروراً بإعادة النظر في العادات التي أثقلت المجتمع بلا رحمة. كما يبرز الوعي ضرورة شطب المصطلحات الجارحة من القاموس الاجتماعي وتعويضها بمفردات عادلة تحفظ إنسانية الجميع، وأن يتقدم الخطاب الديني والاجتماعي بمسؤولية ليعيد للزواج معناه الأصيل بعيدًا عن البذخ الذي شوّهه. أما المقترحات المثيرة للجدل، وعلى رأسها تعدد الزوجات، فلا يمكن تقديمها كعلاج جاهز لظاهرة مركبة دون دراسة دقيقة لخطر خلخلتها لبنية أسر قائمة، فالأزمات الاجتماعية لا تُحل بالمطارق بل بالفهم والحكمة.
وفي خاتمة هذا المشهد، تبدو العنوسة في الأردن مشكلة ليست فردية ولا نسائية فحسب، بل قضية مجتمعية تحتاج إلى إرادة صادقة وفهم أعمق لمآلاتها الاقتصادية والنفسية والاجتماعية. فالواقع يثبت أن الزمن تغيّر وأن الناس تغيّروا، وأن القوالب القديمة لم تعد تصلح لاحتواء طموحات جيل جديد يريد أن يبني حياته لا أن يرث أثقال آبائه. وحين يتعامل المجتمع مع الظاهرة بوعي، ويخفف من حدّة نظرته، ويكسر دوائر العادات التي حجبت الشمس، سيعود الزواج خياراً ميسورًا لا امتحانًا عسيرًا، وستبدأ الأزمة الصامتة في الانحسار بدلاً من التفاقم.!!!
أحمد سعد الحجاج
في عمق المشهد الاجتماعي الأردني تتشكل ظاهرة ثقيلة الظل، تتسع ببطء وتتحول عاماً بعد عام إلى هاجسٍ لا يمكن دفنه تحت ضجيج الحياة اليومية. إنها العنوسة... تلك الكلمة التي التصقت بالفتيات ظلما حتى باتت أشبه بوصمة لا بذنب ارتكبنه ولا بعيبٍ فيهن، بينما هي في حقيقتها مرآة لواقع اقتصادي مثقل وضغوط اجتماعية متوارثة وانكسارات متراكمة في أحلام جيلٍ كامل. تشبه الظاهرة ناراً تحت الرماد؛ لا تصرخ، لكنها تحرق.
ومع أن الأرقام المتداولة لا تستند دائماً إلى سجلات رسمية حديثة، إلا أن الاتجاه العام واضح كالشمس: تراجع في نسب الزواج، ارتفاع في متوسط العمر عند الارتباط، وطبقة متسعة من الشابات والشباب العالقين على عتبة مرحلة كان يفترض أن تمنحهم الاستقرار والسكينة. فالغلاء يطبق على صدور المقبلين على الزواج، وتكاليف الارتباط تقف كجبال شاهقة لا يقدر شباب بمرتبات متواضعة أن يتسلقوها، بينما تسهم البطالة في تكريس عزوف غير مقصود عن خطوة كان يُنظر إليها بوصفها انتقالًا طبيعيًا في العمر والمسار.
ومن خلف الأوضاع الاقتصادية،تنهض العادات والتقاليد كجدار ثانٍ لا يقل صلابة؛ متطلبات مبالغ فيها، حفلات ترهق العريس وأهله، ومهور تتسع بين طبقة وأخرى كهوة لا جسر لها. يضاف إلى ذلك موروث اجتماعي يقلل من شأن الفتاة التي يتأخر زواجها، وكأن عمرها ملك لأعين الآخرين، لا لخياراتها وطموحها وكرامتها. ومع التحول التعليمي والمهني الذي جعل كثيرات ينشغلن ببناء مستقبل مستقر، ازدادت سنوات التأخر دون أن يواكب المجتمع هذا التغير الطبيعي، فصار ينظر إلى التأخير كخلل لا كحق.
ولا يمكن إغفال التحولات في أولويات الجيلين؛ شباب يطاردون فرصة عمل ثابتة تعصمهم من تقلب الأيام، وفتيات يسعين لتحصيل درجات عالية وتأمين حياة كريمة، في وقت لم يعد الزواج قراراً سريعاً كما كان، بل مشروعاً يحتاج إلى تخطيط طويل وترقب وحسابات دقيقة. وهكذا تتشابك الأسباب وتتعقد الصورة، حتى تغدو العنوسة نتيجة لا حالة مستقلة، نهاية سلسلة طويلة من اختلالات ليست المرأة طرفها الأصيل.
أما الحلول، فلا يمكن أن تنهض من فراغ. تبدأ من معالجة الجذور الاقتصادية عبر توفير فرص عمل حقيقية للشباب وتخفيف كلفة الزواج وتشجيع ثقافة التيسير، مروراً بإعادة النظر في العادات التي أثقلت المجتمع بلا رحمة. كما يبرز الوعي ضرورة شطب المصطلحات الجارحة من القاموس الاجتماعي وتعويضها بمفردات عادلة تحفظ إنسانية الجميع، وأن يتقدم الخطاب الديني والاجتماعي بمسؤولية ليعيد للزواج معناه الأصيل بعيدًا عن البذخ الذي شوّهه. أما المقترحات المثيرة للجدل، وعلى رأسها تعدد الزوجات، فلا يمكن تقديمها كعلاج جاهز لظاهرة مركبة دون دراسة دقيقة لخطر خلخلتها لبنية أسر قائمة، فالأزمات الاجتماعية لا تُحل بالمطارق بل بالفهم والحكمة.
وفي خاتمة هذا المشهد، تبدو العنوسة في الأردن مشكلة ليست فردية ولا نسائية فحسب، بل قضية مجتمعية تحتاج إلى إرادة صادقة وفهم أعمق لمآلاتها الاقتصادية والنفسية والاجتماعية. فالواقع يثبت أن الزمن تغيّر وأن الناس تغيّروا، وأن القوالب القديمة لم تعد تصلح لاحتواء طموحات جيل جديد يريد أن يبني حياته لا أن يرث أثقال آبائه. وحين يتعامل المجتمع مع الظاهرة بوعي، ويخفف من حدّة نظرته، ويكسر دوائر العادات التي حجبت الشمس، سيعود الزواج خياراً ميسورًا لا امتحانًا عسيرًا، وستبدأ الأزمة الصامتة في الانحسار بدلاً من التفاقم.!!!




