شريط الأخبار

مطحنة الشرايط

مطحنة الشرايط
كرمالكم :  

م. عامر البشير

هناك أشياء لا تحتاج إلى تفسير طويل حتى نفهم عبثها، يكفي أن تراها تدور.

تتحرك بسرعة، تصدر ضجيجاً، وتبدو من بعيد وكأنها تعمل بكفاءة. لكن إذا سألت: ماذا أنتجت؟ قد تكون الإجابة ببساطة: المزيد من الدوران.

هكذا أتخيل، مجازاً، «مطحنة الشرايط».

ليست آلة حقيقية، وإنما حالة قد تصيب بعض المؤسسات عندما يصبح النشاط دليلاً على الإنجاز، ويصبح الإعلان عن المشروع أهم من أثره، وتتحول كثرة الاجتماعات والفعاليات والمبادرات والإعلانات إلى بديل عن سؤال بسيط:

ماذا تغيّر فعلاً؟

والشريط هنا ليس قطعة القماش التي تُقص عند افتتاح مشروع، بل رمز لكل ما يمكن أن يحل محل الإنجاز الحقيقي: صورة، بيان، مؤتمر، لجنة، منصة، استراتيجية أو مبادرة، من دون أن يكون أثرها بالضرورة بحجم الضجيج الذي رافقها.

ليست المشكلة في الشريط

الشريط في ذاته ليس مشكلة. افتتاح مشروع ناجح والاحتفال به أمر طبيعي، بل ومطلوب. فمن حق الناس أن يروا ما أُنجز، ومن حق المؤسسة أن تحتفي بما أنجزته.

المشكلة تبدأ عندما تصبح لحظة الافتتاح أهم من السنوات التي تليها.

عندما نسأل: من حضر؟ ومن قص الشريط؟ وماذا قالت الكاميرات؟ بدلاً من أن نسأل:

هل يعمل المشروع؟

هل استفاد منه الناس؟

هل حقق الغرض الذي أنشئ من أجله؟

وهل كانت كلفته مبررة؟

وهذه ليست مشكلة كل المؤسسات ولا كل المسؤولين. إنها سلوك يمكن أن يظهر في بعض المؤسسات عندما تنفصل صورة الإنجاز عن الإنجاز نفسه.

الحركة ليست تقدماً

ليس كل ما يتحرك يتقدم.

العجلة قد تدور وهي عالقة في الوحل، والطاحونة قد تعمل طوال اليوم وهي تطحن الشيء نفسه.

وهذا يحدث أحياناً في العمل المؤسسي أيضاً: اجتماعات، لجان، تعاميم، مؤتمرات وتقارير، ثم نعود إلى المشكلة ذاتها.

من السهل أن نعدّ الاجتماعات والفعاليات والاتفاقيات. الأصعب أن نقيس ما تركته وراءها.

كم معاملة أصبحت أسرع؟

كم كلفة انخفضت؟

كم وقتاً وفر المواطن؟

وكم مشكلة اختفت؟

هنا تبدأ مطحنة الشرايط: عندما يصبح النشاط بديلاً عن النتيجة.

فالعمل المؤسسي لا يُقاس فقط بما نفعله، وإنما بما ينتج عنه. هناك فرق بين نشاط قمنا به، ومخرج أنجزناه، ونتيجة تحققت، وأثر ظهر في حياة الناس.

ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لأي مشروع أو مبادرة ليس ماذا فعلنا، بل:

ماذا حدث بسبب ما فعلناه؟

عندما تصبح الرقمنة جزءاً من المشكلة

من المفارقات في عصر التحول الرقمي أن الرقمنة لا تعني دائماً التسهيل.

في بعض المؤسسات، لم تتجاوز الرقمنة تقديم الطلب إلكترونياً؛ أي ما يشبه «استدعاءً إلكترونياً» لدورة ورقية لم تتغير.

يقدم المواطن طلبه عبر المنصة، ثم ينتظر. وقد يضطر إلى المتابعة والاستفسار أو الحضور شخصياً، بينما بقيت الإجراءات والموافقات ونقاط التعطيل كما هي.

لم يختفِ الطابور، بل انتقل إلى الشاشة.

وقد يجد المواطن نفسه أمام ما يمكن تسميته مجازاً «الموظف الشبح» (Ghost Employee): موظف حاضر في النظام، لكن المسؤولية عنه ليست واضحة. من يتابع المعاملة؟ متى ستنجز؟ ومن يتحمل مسؤولية التأخير؟

لكن المشكلة أعمق من الموظف وحده. إنها في نظام تتحرك فيه المعاملة إلكترونياً، بينما تضيع المسؤولية بين الشاشات.

فالرقمنة الحقيقية لا تبدأ بتحويل الورق إلى شاشة. تبدأ من سؤال أبسط: هل ما زلنا بحاجة إلى كل هذه الخطوات أصلاً؟

لماذا نحتاج إلى هذه الموافقة؟

من يستطيع اتخاذ القرار؟

ما الذي يمكن حذفه؟

من المسؤول عن كل مرحلة؟

وما المدة التي يجب ألا تتجاوزها المعاملة؟

بعد ذلك تأتي الرقمنة.

وإلا فنحن لا نرقمن الخدمة، بل نرقمن التعقيد.

بعض ملامحها في الأردن

في الأردن مؤسسات ناجحة، وموظفون ومسؤولون يعملون بصمت ويحققون نتائج تستحق التقدير. ولذلك لا يصح أن يتحول النقد إلى حكم عام.

لكن في بعض المؤسسات يمكن أن نرى نمطاً آخر: إطلاق منصة قبل تبسيط الخدمة، توقيع مذكرة تفاهم دون متابعة ما نتج عنها، إعلان استراتيجية ثم الانشغال بتقارير تنفيذها، أو افتتاح مشروع يصبح فيه يوم الافتتاح نهاية القصة، مع أن الامتحان الحقيقي يبدأ في اليوم التالي.

المشكلة ليست في المبادرة، ولا في المؤتمر، ولا في الاستراتيجية.

المشكلة عندما يصبح الإعلان عن الفعل بديلاً عن قياس أثره.

قد يكون لدينا مشروع، وميزانية، واحتفال، وتغطية إعلامية، ثم لا نملك بعد سنة إجابة واضحة عن السؤال الأهم:

ماذا تغيّر؟

عندما تحتاج الاستراتيجية إلى استراتيجية

أحياناً تتحول الاستراتيجية نفسها إلى منتج إداري قائم بذاته: رؤية، ورسالة، وأهداف، ومؤشرات، وخطط، ثم تقارير لمتابعة التقارير، بينما تبقى المشكلة التي وضعت الاستراتيجية لمعالجتها قائمة.

السؤال ليس: كم صفحة في الاستراتيجية؟ ولا كم مؤشراً فيها؟

السؤال أبسط:

ماذا تغيّر بسببها؟

فالاستراتيجية الجيدة لا تُقاس بجمال صياغتها، وإنما بقدرتها على تغيير الواقع.

العمل الحقيقي غالباً بطيء وصامت. أما إطلاق مبادرة أو عقد مؤتمر أو نشر صورة مشروع، فيمنح لحظة نجاح سريعة ومرئية.

قد لا يصنع العمل الحقيقي صورة جميلة، لكنه يصنع فرقاً.

المواطن هو المقياس

في النهاية، لا يحتاج المواطن إلى قراءة الاستراتيجية أو حضور المؤتمر.

هو يعرف النتيجة من حياته اليومية:

هل أنجز معاملته أسرع؟

هل أصبحت الخدمة أسهل؟

هل انخفضت كلفتها؟

هل تحسن الأداء؟

وهل يعرف من المسؤول عن معاملته؟

هذه مؤشرات يصعب تجميلها طويلاً.

فالواقع اليومي أقوى من أي تقرير أو حملة إعلامية.

لذلك لا يكفي أن نسأل:

من نفّذ؟

الأهم أن نسأل:

من يتحمل مسؤولية النتيجة؟

فقياس النشاط يخبرنا بما فعلت المؤسسة، أما قياس الأثر فيخبرنا ماذا فعل ذلك النشاط بحياة الناس.

ما بعد الشريط

ربما لا نحتاج إلى إلغاء الاحتفالات، بل إلى نقل مركز الاهتمام من لحظة الافتتاح إلى ما بعدها.

بعد ستة أشهر: ماذا تحقق؟

بعد سنة: هل استمر؟

بعد ثلاث سنوات: هل ما زال يحقق الغرض الذي أنشئ من أجله؟

وهل كانت كلفته مبررة؟ وهل يحتاج إلى تعديل؟

هذه الأسئلة لا ينبغي أن ننتظر حتى نهاية المشروع لطرحها. يجب أن تكون حاضرة منذ البداية:

ماذا نريد أن نحقق؟

من المسؤول؟

ومتى سنقيس النتيجة؟

فالمشروع الذي لا نراجع أثره بعد التنفيذ قد يتحول، مع الوقت، إلى مجرد ذكرى لافتتاح ناجح.

وهنا ننتقل من ثقافة الإعلان عن الإنجاز إلى ثقافة إثبات الإنجاز.

فالفرق بينهما هو الفرق بين صورة المشروع وأثر المشروع.

الشريط الأخير

ليست المشكلة أن نقص الشريط.

المشكلة أن نخلط بين قص الشريط وفتح الطريق.

الشريط ينتهي في دقيقة، أما المشروع الحقيقي فيبدأ بعدها.

والاستراتيجية تنتهي لحظة اعتمادها على الورق، أما قيمتها فتبدأ عندما تغير شيئاً في الواقع.

لذلك ربما آن الأوان لبعض مؤسساتنا أن تنتقل من السؤال:

ماذا أنجزنا؟

إلى السؤال الأصعب:

ماذا تغيّر بسبب ما أنجزناه؟

الأول ينتج البيانات.

والثاني ينتج المحاسبة.

الأول يحتاج إلى شريط.

أما الثاني فلا يحتاج إلا إلى نتيجة.

وربما هنا تكمن المفارقة كلها:

أخطر ما يمكن أن يحدث للمؤسسة ليس أن تفشل، بل أن تكتفي بصورة النجاح، بينما يبقى الواقع بحاجة إلى نتائج تثبته.

تلك هي اللحظة التي تبدأ فيها مطحنة الشرايط بالدوران.