شريط الأخبار

الاقتتال في الحفر

الاقتتال في الحفر
كرمالكم :  

م. عبدالفتاح الدرادكة

يحكى أن مزارعًا صينيًا قتل خنزيرًا بريًا، ثم ألقاه في حفرة عميقة مهجورة داخل مزرعته. وما إن انتشرت رائحة الجيفة في المكان، حتى بدأت الجرذان تتوافد من كل اتجاه، وتنزل إلى الحفرة تباعًا، مدفوعة بنهمها إلى الطعام، من دون أن تفكر في كيفية الخروج.

أكلت الجرذان الجيفة حتى أتت عليها، لكنها اكتشفت بعد ذلك أنها عالقة في قاع الحفرة. ومع مرور الوقت، بدأ الجوع والعطش ينهشانها، وبدلًا من أن تتعاون للبحث عن وسيلة للنجاة، بدأت تأكل بعضها بعضًا. وفي النهاية لم يبقَ إلا جرذ واحد، كان الأقوى والأشد شراسة.

عندها أخرج المزارع الجرذ من الحفرة، وبدلًا من قتله، أطلقه في مزرعته، اعتمادًا على أنه أصبح معتادًا على افتراس الجرذان الأخرى، وربما يقوم بالمهمة نيابة عنه. وبذلك، وفق الرواية، استطاع التخلص من الجرذان بأقل جهد.

قد تكون هذه الحكاية مجرد قصة رمزية، ولا نحتاج إلى التحقق من تفاصيلها بوصفها واقعة تاريخية، لكن قيمتها تكمن في المغزى الذي تحمله. فالمزارع، وفق الرواية، لم يحتج إلى التخلص من الجرذان بنفسه؛ تركها تنزل إلى الحفرة، ثم ترك الجوع والخوف والصراع الداخلي يقوم بالباقي.

وهنا يصبح السؤال أكبر من حكاية الجرذان والحفرة: هل يمكن إسقاط هذه الصورة الرمزية على واقعنا العربي والإقليمي؟

الإجابة التي يفرضها المشهد الذي نعيشه أن الصراعات المتعددة في منطقتنا لم تعد مجرد خلافات عابرة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى استنزاف طويل للقوة والموارد والإنسان. فما يجري في اليمن والسودان وليبيا وسوريا ولبنان والعراق، وما يرتبط بالتنافس الإقليمي بين الكيان الصهيوني وإيران وتركيا وقد يكون دور مستقبلي للهند على اساس ان جاليتها في دول بعض الخليج اكثر من السكان الأصليين ، وغيرها من الملفات، يعكس مشهدًا شديد التعقيد تتداخل فيه العوامل الداخلية مع المصالح الإقليمية والدولية.

والمؤلم أن هذا المشهد ليس جديدًا في تاريخنا. ولعل تجربة ملوك الطوائف في الأندلس من أكثر الأمثلة دلالة؛ فقد تنافست الإمارات العربية الإسلامية فيما بينها، واستعانت بعضها بقوى خارجية ضد بعضها الآخر، بينما كانت الممالك المسيحية في الشمال تتقدم وتوسع نفوذها. وانتهى الأمر بسقوط المدن والإمارات تباعًا، وصولًا إلى نهاية الوجود العربي الإسلامي في الأندلس.

التاريخ لا يتكرر حرفيًا، لكنه يحذرنا من القاعدة نفسها: حين ينشغل أبناء البيت الواحد بإضعاف بعضهم بعضًا، يصبح البيت أكثر عرضة للتدخل والاختراق والانهيار.

لقد استُنزفت الشعوب العربية، وما تزال تُستنزف، في صراعات داخلية وإقليمية، فيما تتراجع الأولويات التي يفترض أن تجمعنا: عدونا الصهيوني واطماعه التوسعية ،التنمية، وبناء الاقتصاد، وحماية الأمن القومي، وتطوير التعليم، وتعزيز الاستقلال السياسي والاقتصادي.

والأخطر من ذلك أن ضعف الثقة المتبادلة داخل المجتمعات والدول قد يدفع بعض المكونات القومية أو العرقية إلى البحث عن مظلات خارجية، أو إلى المطالبة بصيغ من الحكم الذاتي أو الانفصال عندما تشعر بأن حقوقها وهويتها ومصالحها غير مصانة. وهذا لا يعني أن جميع هذه المطالب متشابهة أو أن أسبابها واحدة، لكنه يؤكد أن بناء الدولة العادلة التي يشعر جميع أبنائها بأنهم شركاء فيها هو أحد أهم عناصر الاستقرار.

كما أن الارتهان لتحالفات إقليمية ودولية لا ينبغي أن يكون بديلًا عن بناء منظومة عربية أكثر تماسكًا. فالدول الأخرى، مهما اقتربت منا، تتحرك أولًا وفق مصالحها الوطنية وحساباتها الاستراتيجية، وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية. ولذلك فإن التعويل الدائم على الآخرين لحماية مصالحنا، بدل بناء قدرتنا الذاتية، قد يجعلنا جزءًا من حسابات الآخرين بدل أن نكون أصحاب القرار في قضايانا.

المشكلة ليست في اختلافنا؛ فالاختلاف سنة الحياة، والسياسة بطبيعتها قائمة على تعدد المصالح والمواقف. المشكلة تبدأ حين يتحول الاختلاف إلى كراهية، والكراهية إلى اقتتال، والاقتتال إلى استنزاف، حتى ننسى من نحن، وماذا نريد، ومن المستفيد من استمرار نزيفنا.

وحين ننشغل بأكل بعضنا بعضًا، قد لا نلاحظ أن هناك من يقف خارج الحفرة، يراقب المشهد، وينتظر أن يضعف الجميع. عندها لا يعود الصراع وسيلة لحماية المصالح، بل يتحول إلى وسيلة لاستنزافها، ولا يعود انتصار طرف على آخر انتصارًا حقيقيًا، إذا كان ثمنه إضعاف الجميع وفتح الأبواب أمام الآخرين.

ولعل أخطر ما في الحكاية أن الجرذان لم تكن بحاجة إلى عدو يقتحم الحفرة؛ فقد تكفلت هي بنفسها بالمهمة. وهذا هو الدرس الذي ينبغي ألا نغفله: ليس كل من يربح معركة ينتصر، وليس كل من يهزم خصمه يخرج منتصرًا. فقد يخسر الطرفان، بينما يربح من يقف خارج الحفرة.

لقد آن لنا أن نفهم أن الخروج من الحفرة لا يكون باقتتال من بداخلها، وإنما بالتعاون على الصعود منها. فالذين يستهلكون قوتهم في صراع داخلي قد لا يبقى لديهم من القوة ما يكفي لمواجهة التحديات التي تنتظرهم فوق الحفرة.

وكما قال أبو القاسم الشابي:

ومن يتهيب صعودَ الجبالِ

يعشْ أبدَ الدهرِ بينَ الحُفَرْ

فهل نتعلم أن صعود الجبال أولى من الاقتتال في الحفر؟ وهل ندرك أن استمرار النزيف قد لا يترك لنا في النهاية إلا حفرة أعمق، بينما يقف الآخرون فوقها ينتظرون اكتمال سقوطنا؟

الخروج من الحفرة ممكن، لكنه يحتاج إلى أن نتوقف أولًا عن اقتتالنا في داخلها، وأن ندرك أن قوتنا الحقيقية ليست في أن يهزم بعضنا بعضًا، بل في أن نمد أيدينا إلى بعضنا بعضًا ونصعد معًا.

والله المستعان.