د.عدلي قندح
حين يسمع المواطن أن الدين العام تجاوز عشرات المليارات، فإنه يحتاج إلى إجابات واضحة: لمن ندين؟ ولماذا نستمر في الاقتراض؟ وما علاقة المديونية بفرصة عمل ينتظرها، أو خدمة صحية يحتاجها، أو مشروع يؤجَّل تنفيذه؟ هذه الأسئلة تنقل النقاش من حجم الدين إلى أثره، ومن قدرة الحكومة على تدبير التمويل إلى قدرة الاقتصاد على تحويله إلى منفعة عامة.
ولنبدأ بصورة رقمية موجزة، باستخدام بيانات نهاية 2025 الواردة في نشرة وزارة المالية الصادرة في أيار 2026، اتساقاً مع المقال الأول. بلغ إجمالي دين الحكومة، ضمن الموازنة والمكفول، نحو 47.712 مليار دينار، موزعاً إلى 26.740 ملياراً ديناً داخلياً، و 20.972 ملياراً ديناً خارجياً؛ أي قرابة 56% و44% على التوالي. وبلغت نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي 109%، مقابل 83.6% بعد استثناء حيازات صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، ليصبح الرصيد نحو 36.593 مليار دينار. والاستثناء إجراء إحصائي لا يسقط التزام الحكومة بسداد ما يحمله الصندوق من ديون.
أما الدائنون، فليسوا جهة واحدة. محلياً، تضم خريطة التمويل البنوك وصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي ومستثمرين آخرين في الأوراق الحكومية. وخارجياً، تتنوع بين مؤسسات دولية وإقليمية، وحكومات وجهات تمويل ثنائية، ومستثمرين يحملون سندات دولية. وتعرض تقارير صندوق النقد مصادر تمويل للأردن تشمل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وصندوق النقد العربي وبنك الاستثمار الأوروبي، إلى جانب القروض الثنائية وإصدارات السندات. وهذه تختلف عن المنح التي لا تُنشئ التزاماً بالسداد.
وتكمن أهمية هذه الخريطة في اختلاف الشروط. فقرض طويل الأجل بفائدة منخفضة يمنح الموازنة وقتاً أوسع للتكيف، بينما قد يضع سند مرتفع الكلفة أو استحقاق كبير قريب الحكومة أمام حاجة ملحّة لإعادة التمويل. ولذلك، قد يتساوى دينان في القيمة ويختلفان كثيراً في العبء. ويشير صندوق النقد إلى أن التمويل الميسر المتاح للأردن يوفر حماية مهمة من بعض مخاطر ارتفاع الدين، دون أن يلغي الحاجة إلى ضبط مساره وتحسين النمو.
ولا يصح افتراض أن الاقتراض الداخلي آمن دائماً، أو أن الخارجي ضار دائماً. فالتمويل المحلي يعبئ المدخرات ويوفر أدوات استثمار، لكن التوسع فيه قد يزيد ارتباط المؤسسات المالية بالوضع المالي للدولة، وقد ينافس تمويل الأنشطة الإنتاجية. أما التمويل الخارجي فيوسع مصادر الأموال، وقد يتيح شروطاً ميسرة، لكنه يضيف احتياجات للسداد بالعملات الأجنبية ويعرّض المقترض لتغير ظروف الأسواق.
وتظهر الصلة الأولى بالمواطن في الموارد المتاحة للخدمات والاستثمار العام. ففي عام 2025 بلغت فوائد القروض المسجلة، على أساس الاستحقاق، نحو 2.180 مليار دينار، مقابل إيرادات محلية بلغت 9.312 مليارات دينار، وإنفاق رأسمالي بلغ 1.400 مليار دينار، وفق البنك المركزي. وبذلك تعادل الفوائد قرابة 23.4% من الإيرادات المحلية، وتتجاوز الإنفاق الرأسمالي بنحو 780 مليون دينار. وهذه فوائد وحدها، وليست مجموع الفوائد وأقساط أصل الدين.
لا تثبت هذه المقارنة أن مدرسة أو مستشفى بعينه أُلغي بسبب الفوائد، لكنها توضح حجم المفاضلة في الموازنة: التزامات التمويل السابق تتجاوز مجموع الإنفاق الرأسمالي لذلك العام. وبالنسبة للمواطن، يعني ذلك هامشاً أضيق لتوسعة مستشفى أو تحسين شبكة مياه أو تطوير نقل عام، ما لم تنمُ الإيرادات أو تتحسن كفاءة الإنفاق. وتبقى جودة الإدارة وتحديد الأولويات عوامل مستقلة؛ فالدين لا يفسر كل ضعف في الخدمات.
ويقدم قطاع الكهرباء مثالاً أردنياً على انتقال كلفة الصدمة عبر الزمن. فقد أسهم اضطراب إمدادات الغاز المصري وارتفاع كلفة الوقود البديل في زيادة خسائر شركة الكهرباء الوطنية؛ ووفق تقرير صندوق النقد لعام 2012، ارتفعت خسائرها من 0.8% من الناتج المحلي عام 2010 إلى 4.9% عام 2011، ومُوّلت بقروض وسندات مضمونة حكومياً ومتأخرات للموردين.
لم يتحمل المستهلك كامل فجوة الكلفة فوراً عبر فاتورته، لكن تمويلها بالدين رحّل جانباً من العبء إلى السنوات اللاحقة. وهذه وظيفة قد تكون مبررة لحماية الأسر والاقتصاد من ارتفاع مفاجئ في الأسعار، بشرط أن يصاحبها إصلاح يحد من استمرار الخسائر. والسؤال هو: هل استُخدم الوقت الذي أتاحه الاقتراض لتحسين الكفاءة وتنويع مصادر الطاقة وخفض الكلفة، أم استمرت الحاجة إلى تمويل الفجوة؟
وتظهر صلة ثالثة في مدخرات الأردنيين التأمينية. فالفرق بين إجمالي الدين والدين بعد استثناء حيازات الضمان بلغ نحو 11.119 مليار دينار في نهاية 2025. وتمثل هذه الحيازات استثمارات للصندوق والتزامات على الحكومة؛ ولذلك تخص المديونية المشترك والمتقاعد، إلى جانب دافع الضرائب.
وتحتاج هذه العلاقة إلى انتظام السداد وعائد مناسب وإدارة حذرة للتركيز والسيولة، بما يخدم التزامات الصندوق المستقبلية. ولا يعني حجم الحيازات وحده وجود خطر وشيك على الرواتب التقاعدية، لكنه يوضح أن استدامة المالية العامة مهمة أيضاً للمؤسسات التي تستثمر مدخرات الأردنيين.
أما الصلة بفرص العمل فتمر عبر الاستثمار. فقد يوازن البنك بين شراء سندات حكومية وتمويل مشروع صناعي أو شركة صغيرة، وقد تتأثر شروط الائتمان إذا اتسع الطلب الحكومي على الأموال. لكن هذه النتيجة ليست آلية؛ فهي تتوقف على السيولة ومخاطر المشاريع والطلب على القروض. وفي المقابل، يمكن لاقتراض حكومي يمول بنية تحتية جيدة أن يخفض كلفة الإنتاج ويشجع الاستثمار الخاص. لذا ينبغي تقييم ما يموّله الدين قبل الحكم على أثره.
وينطبق ذلك على العبء الذي ينتقل إلى الأجيال المقبلة. فالاقتراض لمشروع منتج قد يترك أصلاً نافعاً إلى جانب الالتزام المالي، بينما يترك تمويل الخسائر المتكررة دون إصلاح حاجة متجددة إلى الاستدانة. كما أن وصف الإنفاق بأنه رأسمالي لا يضمن جدواه؛ فقد يكون مشروع ضعيف الاستخدام أقل نفعاً من إنفاق جيد على التعليم أو الصحة. المعيار هو العائد الاقتصادي والاجتماعي وجودة التنفيذ واستمرار المنفعة.
ومن المهم ألا نقرأ كل اقتراض جديد باعتباره زيادة مساوية في الدين؛ فجزء منه يحل محل ديون مستحقة، وقد يخفض كلفتها أو يطيل آجالها. وهذه إدارة ضرورية، لكنها لا تعالج وحدها عجزاً مستمراً يولد التزامات إضافية. كذلك، لا ينبغي أن تتحول المعالجة تلقائياً إلى ضرائب ورسوم جديدة؛ إذ تشمل الخيارات تحسين التحصيل ومراجعة الإعفاءات وتقليص الهدر والخسائر، مع حماية النمو والفئات الأقل قدرة على التحمل.
المطلوب أن تُعرض المديونية للمواطن باعتبارها علاقة بين الأموال المقترضة وكلفتها ونتائجها. فإلى جانب السؤال عن حجم الدين، ينبغي أن نسأل: هل حسّن التمويل الخدمات؟ هل رفع الإنتاجية؟ وهل قلّل الحاجة إلى اقتراض لاحق؟ وعندما تتكرر الاستدانة دون تحسن كافٍ في هذه القدرة، يصبح البحث في أسباب التراكم ضرورياً. وهذا ما يتناوله المقال التالي: لماذا تتراكم المديونية في الأردن، وما نصيب الصدمات الخارجية والاختلالات الداخلية وقرارات الحكومات في هذا التراكم؟


