تحوّل الرئيس الأمريكيّ، دونالد ترامب، إلى الشخصية الأكثر كراهيةً في دولة الاحتلال الإسرائيليّ بسبب الاتفاق الذي توصّل إليه مع إيران، دون أنْ يسمح للكيان بالمشاركة في صياغته أوْ معرفة تفاصيله، حيثُ أطلق رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، العنان لأبواقه لشنّ "حربٍ إعلاميّةٍ” ضدّه وضدّ مساعديه، أمّا المعارضين لنتنياهو فقد أكّدوا، كما أشار المُحلّل روغل ألفر، في صحيفة (هآرتس) العبريّة، إلى أنّ الفشل الذريع والمُجلجل والمُدوّي لم يكن من نصيب نتنياهو فقط، بلْ من نصيب إسرائيل ككيانٍ، على حدّ تعبيره.
ورأى مُحلِّل الشؤون الأمريكيّة في
الصحيفة أنّ "ترامب كعادته، حتى كرئيسٍ، وحتى في أوقات الحرب، لا يهتم إلّا بنفسه.
مصالح الولايات المتحدة الأمنيّة، وبالتأكيد إسرائيل، تأتي في المرتبة الثانية بعد
حاجته للظهور بمظهر المنتصر، وإستراتيجية ترامب للخروج من السلطة هي بمثابة
مكافأةٍ ماليةٍ مضمونةٍ له وحده، ومن غير المرجح أنْ يُرضي اتفاق وقف إطلاق النار
مع إيران أحدًا سوى ترامب”.
وأضاف: "ليس توقيته مصادفة، ومن المرجح
أنّه لا علاقة له بأيّ انفراجةٍ في المفاوضات. ترامب عاجزٌ عن الاعتراف بأنّه لم
يحقق شيئًا في إيران، لكنّه لا يزال يؤمن بقدرته على ترويج أكاذيب صارخةٍ وواضحةٍ
لأنصاره، خاصةً عندما تُصاحبها ضجةً إعلاميّةً. وبعد أنْ اكتشف أنّ النظام
الإيرانيّ قد صمد أمام آلات الحرب الأمريكيّة والإسرائيليّة، وظلّ مصممًا على الرد
باستخدام مضيق هرمز للضغط، شعر باليأس”.
وأوضح المُحلِّل: "بحث ترامب عن أيّ
وسيلةٍ لإعلان النصر، لكن الإيرانيين ذكّروه مرارًا وتكرارًا باستحالة ذلك. في
الواقع، وعد 38 مرة بأنّ التوصل لاتفاق مسألة أيام، وفي كلّ مرّةٍ كان يُفضح أمره،
ولأول مرّةٍ، لم يجد ترامب مخرجًا سلسًا ونظيفًا دون أنْ يتعرض للإذلال أمام
إيران، ومنذ وقف إطلاق النار الأول في 7 أبريل، أثبت الرجل أنّه فنان فاشل، من
النوع الذي يُصدر إنذارًا تلو الآخر ثم يمدد الموعد النهائيّ مرارًا وتكرارًا”.
وأكّد المُحلِّل: "كان ترامب يبحث فقط
عن مخرجٍ لا يجعله يبدو ضعيفًا في نظر مؤيديه. وجد الحل الترامبي في حدث تلفزيوني
مثير، تضمن نزالاً في بطولة (يو.إف.سي) احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين، أعلن خلاله
عن التوصل إلى اتفاق. لا يبدو هذا تفكيرًا رئاسيًا، بل أقرب إلى تفكير منتجٍ كبيرٍ
في قناة (فوكس نيوز)، قرر ترامب، بطريقةٍ لا تليق بأمريكا، الاحتفال بعيد ميلاده
الثمانين بعرضٍ لمصارعةٍ في قفصٍ داخل البيت الأبيض. يُعدّ هذا النزال، من نواحٍ
عديدةٍ، استمرارًا لفترة رئاسته الحالية، التي يخرق فيها التقاليد والأعراف
الديمقراطيّة سعيًا وراء مصالحه الشخصية، وهو ما يُقنع أنصاره فقط. حتى الجمهوريون
الذين لا يُحبّونه، لكنهم يُفضّلون رئيسًا جمهوريًا، غير راضين عن هذا الاستعراض
الذي يُهين مكانة البيت الأبيض”.
وأردف: "غرّد ترامب مُعلنًا على حسابه
في مواقع التواصل الاجتماعيّ: "تمّ إبرام الاتفاق مع إيران”، يُولي الموقف الرسميّ
لترامب والإدارة الأمريكيّة أهميةً بالغةً لفتح مضيق هرمز. كلّ هذا دون التطرق إلى
شروط فتح المضيق، والأهّم من ذلك، دون الإشارة إلى أنّ المضيق كان مفتوحًا قبل
الحرب. لقد حلّ ترامب مشكلة لم تكن موجودة أصلًا في 27 فبراير، تاركًا وراءه نارًا
ودخانًا، وخرابًا ودماءً فاسدةً، دون إيجاد حلولٍ جذريّةٍ للمشاكل في إيران. كما
تُخفي إدارة ترامب، بمساعدة إيران وباكستان، حقيقة عدم توقيع أيّ اتفاقٍ سلامٍ.
ورأى المُحلِّل: "في الواقع، الاتفاق
المزمع توقيعه يوم الجمعة في سويسرا هو في جوهره مذكرة تفاهمٍ تضمن فتح مضيق هرمز،
وتمنح وقتًا للمفاوضات حول القضايا الشائكة، كالنووية والصاروخية، بعبارةٍ أخرى:
ترامب، كعادته، يؤجل جميع القرارات إلى موعدٍ مستقبليٍّ قد لا يأتي أبدًا. لن تُحل
القضية النوويّة، والقضية اللبنانيّة. لن تُحل جميع المسائل، وسيتمكن ترامب من
التظاهر بأنّ إيران غير موجودة”.
واختتم المُحلِّل: "يُنهي ترامب الحرب في إيران دون أنْ يحقق شيئًا يُذكر، سوى أنّه ترك وراءه نظامًا دينيًا أكثر تصميمًا من أيّ وقتٍ مضى، وشعبًا إيرانيًا مُعاديًا للولايات المتحدة، وإسرائيل في أسوأ حالاتها، والمحطة التالية: هافانا يُنهي ترامب الفصل الأخير من تاريخه في إيران بنيةٍ جادةٍ بعدم العودة إليها أبدًا. لا تزال خططه للمحطة التالية في سلسلة غزواته، كوبا، غامضةً. ومع ذلك، طالما أنّ ماركو روبيو يشغل منصبي وزير الخارجية ومستشار الأمن القوميّ، فمن المرجح أنْ يُشجع ترامب على الإطاحة بالنظام في هافانا. وبعد أنْ غادر ترامب إيران مُنهكًا ومُذلًا، قد يكون الإطاحة بنظام في كوبا خيارًا مُغريًا للغاية لاستعادة كرامته”، على حدّ تعبيره.



